قاسم سعودي: بغداد

بعد أن تمت هيكلة وإغلاق الدار الوطنية للنشر والتوزيع عقب حصار بغداد في التسعينات، عانت دور النشر العراقية الكثير من العراقيل والأزمات الكبيرة المتعلقة بتصدير الكتاب العراقي وترويجه في أسواق الكتب العربية، مما قلل من فرص حضور المبدع العراقي، وخلق قطيعة كبيرة بين الملتقي العربي والكتاب العراقي، حيث كانت الدار الوطنية للنشر والتوزيع، التي تأسست في العام 1972، الدائرة الوحيدة المختصة بالتوزيع والتسويق والاعلان خارج وداخل العراق.

عن مشكلات النشر والتوزيع وعلاقة المبدع العراقي بدور النشر وأهم مبادرات دور النشر العراقية على صعيد العمل الثقافي ، كانت لـ “ناشر” هذه النافذة الحوارية مع عدد من أصحاب دور النشر في العاصمة العراقية بغداد .

الناشر ستار محسن علي، صاحب دار سطور قال: “إن أهم العقبات التي تواجه دور النشر العراقية تتمثل في عدم قدرتها على تصدير اصدارتها إلى الخارج، بسبب الحظر المفروض عليها منذ حصار عام 1994، حيث يخضع تصدير الكتب لنفس الضوابط التي تخضع لها السلع الصناعية والزراعية وغيرها، فالحكومة إلى الآن تعمل بموجب قانون المطبوعات سنة 1968 الأمر الذي أحدث تأثيرات اقتصادية كبيرة وبات المبدع العراقي أسيراً للمحلية”.

وأضاف: “رغم ذلك استطاعت دور النشر العراقية بعد عام 2003 أن تستقطب الكثير من المبدعين وتروج لمؤلفاتهم مقابل النشر العربي للمؤلفين العراقيين الذين يتعذر وصول مطبوعاتهم إلى العراق، إذ تمكنت دار سطور من الترويج والاهتمام بالمبدع العراقي وخصوصا بعد تأهل رواية “مقتل بائع الكتب” للروائي سعد محمد رحيم في القائمة القصيرة لجائزة البوكر عام 2017، بالإضافة إلى مشاركة الدار المستمرة في معارض الكتب المحلية ومهرجانات القراءة في أغلب المدن العراقية”.

الناشر ياسر عدنان صاحب دار عدنان للنشر والتوزيع، يتفق مع الناشر ستار محسنويؤكد “أن زيادة دور النشر العراقية وسوق الكتاب العراقي بعد عام 2003 تضاهي إصدارات دور النشر العربية، إذ ظل المتلقي العربي ينتظر الإبداع العراقي خاصة بعد قطيعة طويلة التي شهدها الحروب والحصارات”.

وطالب عدنان بدعم وزارة الثقافة في تعزيز وتنشيط عدد من المشاريع الثقافية المشتركة بين مختلف دور النشر بالإضافة إلى المساهمة في المشاركات الخارجية التي تتطلب تأشيرة دخول يصعب الحصول عليها في عدد من المعارض العربية، لا سيما أن دار عدنان شاركت بشكل إيجابي في معرض الشارقة الدولي للكتاب ومعرض أبوظبي الدولي للكتاب بشكل متتالي وهو دليل على التسهيلات الكبيرة المبذولة من القائمين على الثقافة الإماراتية”.

وأشار إلى أن الدار حريصة على التعاون مع المبدع العراقي وترويج كتابه في الخارج، موضحاً أن الدار تطبع مؤلفاتها في بيروت وتشارك بها من هناك في المعارض العربية، ولدى دار عدنان العديد من المبادرات الثقافية منها التبرع بـ 300 عنواناً إبداعياً لإحياء مكتبة جامعة الموصل بالإضافة على خصم 40 % من سعر الكتاب المشارك في معارض الكتب المحلية والجامعات العراقية ومراكز البحوث.

الشاعر زعيم نصّار مدير دار الروسم للطباعة والنشر والتوزيع تحدث قائلاً: “أهم مشكلات دور النشر العراقية، آلية التوزيع والتسويق التي تراجعت وتأثرت بشكل مباشر بالأوضاع السياسية والاقتصادية، فالمعرقلات الأساسية لهذه الصناعة، كثيرة جداً، منها أن هذه الدور قد تأسس اغلبها في هذا العقد الحالي، وهي بلا رؤوس أموال تعتمد عليها في أعمالها، إضافة إلى ارتفاع أسعار الطباعة في بغداد مقارنة بأسعار الطباعة في بيروت ودمشق، فإذا طبعنا كتبنا في خارج العراق، يصعب علينا ادخالها عبر المنافذ البرية والبحرية المتاحة، الأمر الذي يسبب لنا خسائر كثيرة، ومشكلات تحرجنا مع مؤلفيها”.

وتابع: “أما مشكلة التوزيع والتسويق والانتشار فهي الأكثر تعقيدا، فبعد أن تمت هيكلة وحل الدار الوطنية للنشر والتوزيع باتت دور النشر العراقية بلا خطط ولا استراتيجية لتسويق صناعتها، وهي تعتمد على موزعين عرب يستغلون مطبوعاتها ابشع استغلال، اما المشكلة الاخرى، فهي فقدان مطبوعاتنا للرقم الدولي (ISBN) لأننا لا نملك الرقم الدولي الذي هو بمثابة الهوية الشخصية للكتاب، وهذه المشكلة تعود إلى فرض الأمم المتحدة العقوبات الاقتصادية على العراق بعد غزو الكويت عام 1990، حيث شمل الحظر تصدير جميع المنتجات العراقية إلى الخارج ومنها الكتاب. وما زال الحظر قائماً حتى هذه اللحظة، لأن الجهات الرسمية المتمثلة بوزارة الثقافة لم تحرك ساكناً لإزالة المنع عن المطبوعات العراقية”.

وقال: “إن اتحاد الناشرين العراقيين، غير فاعل في هذا الأمر ولا بغيره، حتى أننا لا نفرق بين وجوده وعدمه، لأنه لم يحقق لدور النشر ميزة، أو دعما، أو حتى اجتماعا تداولياً، أو حواراً من أجل قضية ما، ونحن في دار الروسم نفكر دائما مع الأصدقاء لإيجاد الحلول التي تسهم في تجاوز هذه المشكلات، لذلك اعتمدنا على الطباعة في بيروت حصراً، من أجل الطباعة بالرقم الدولي، حيث اتفقنا مع دار المؤلف اللبنانية بعقد شراكة في التوزيع والمبيعات وأصبحت كتب الروسم تشترك في جميع المعارض العربية والدولية، ومن الجدير بالذكر أن دار الروسم تتبرع بمئات من كتبها كل سنة لمبادرات ومشاريع عراقية مثل مبادرة ” أنا عراقي، أنا أقرأ” التي تقام في بغداد والمدن الاخرى، من أجل وصول الكتاب العراقي لأكبر عدد من القراء وبشكل مباشر ومجاني، وفي كل مناسبة نطالب الحكومة والمؤسسات المعنية، بدعم المطابع ودور النشر، أو على الاقل المساهمة بإحياء صناعة الكتاب العراقي، ولكن لا حياة لمن تنادي!!”.

الشاعر نبيل نعمة تحدث قائلاً : “ربما أكون متشائما أو حتى مبالغا في حديثي عن دور النشر العراقية، وفاعليتها وانتشارها أو حتى منافستها لدور النشر العربية، فالمرحلة التي تلت العام 2003 كانت حلماً كبيراً بالنسبة لي وللعشرات من المثقفين الذين توسموا خيراً بالثقافة في عراق ما بعد التغيير، عراق حرية التعبير والكثير من المكتسبات المتعلقة بالثقافة. واحدة من هذه الأحلام كانت متعلقة بدور النشر التي لم تستطع سد الفراغ الذي تركه إغلاق كثير من دور النشر والطباعة المتعلقة بالسلطة في حينها، معها صار المثقف ينظر لأطلال مطابعها ويتحسر على الخدمات التي كانت تقدم للمبدع العراقي سواء على مستوى النشر أو التسويق والتوزيع”.

ويضيف: “نعم ظهرت العديد من دور “الطباعة”، وأصفها بدور الطباعة وليس دور النشر لأنها لم تعر أي اهتمام يذكر بتسويق الكتاب ولا فتح قنوات توصل من خلاله الكتب المطبوعة للعالم الخارجي بعيدا عن شارع المتنبي، إضافة إلى أنها لم تستطع إقامة علاقة ثقافية متوازنة وإيجابية مع المبدع، لأسباب يأتي في مقدمتها الجشع الذي يؤطر عمل هذه الدور وابتزاز المثقف حتى لو كان بشكل قانوني، والتفكير بالأموال قبل التفكير بالمحتوى أو النوع، لذا ظهر لدينا الكثير من أنصاف المثقفين وانتشرت عدوى الرداءة في الوسط الثقافي. أعتقد لمساعدة هذه المطابع والمثقف في آن واحد للنهوض في مجال صناعة الكتابة نحتاج لتشريع قانون يضمن حقوق المؤلف، تلتزم به دور النشر والطباعة العراقية بما يضمن النهوض بالعمل وتحقيق المرجو، إضافة إلى اهتمام الدولة بالمزيد من المعارض والمهرجانات المعنية بالكتاب لفتح سوق عربية وحتى عالمية للكتاب العراقي”.

بينما تحدث الروائي علي الحديثي قائلاً: في حديث لي مع أحد مدراء دور النشر أخبرني بأن الاستنساخ هو أحد أسباب تأخر عمل الدور، فالكاتب بدلا من أن يدفع ألف دولار أو أكثر لدار نشر، يمكنه أن يستنسخ الكتاب ببضعة دنانير، وأعتقد أن هذا يعد أحد الأسباب الرئيسية التي تعرقل حركة الدور في العراق.. فضلا عن ذلك، دور النشر العراقية تفتقر للرقم الدولي الذي يعد هوية للكتاب، فتضطر الدور للتعامل مع دور نشر عربية، فيأتي الكاتب ويقول ولم هذه الوساطة بيني وبين الدار العربية، فمن الأسهل والأحسن أن اتصل بالدور العربية، وهذه مهمة وزارة الثقافة فضلا عن اتحاد الأدباء، وتضافر دور النشر للمطالبة برقم دولي للكتاب العراقي”.

وأعتبر أنه “يمكن تقسيم دور النشر العراقية إلى أقسام أو قسمين، قسم تجاري بحت فيطبع كل شيء من الغث والسمين، بينما نجد أن هناك دورا جيدة تهتم بالكتاب، ولكن مشكلة هذه الدور الجيدة لا تكاد ترى إلا الأسماء المعروفة، فهي تغض النظر عن المبدعين الذي لم يحالفهم الحظ في بروز أسمائهم، وربما لهم جانب من الحق، فالدار ليست مشروعاً ثقافياً خالص، بل هي مشروع ثقافي وتجاري، فيقول صاحب الدار: أنا لست مليارديراً أو دولة لأطبع للجميع، فمثلما أريد أن أطبع كل ما هو جيد فيجب أن أفكر بالمردود المادي لتستمر الدار، فهو بحاجة إلى دعم دولة وهو ما تفتقر إليه الدور الجيدة”.

وأختتم حديثه بالإشارة إلى أن الكثير من الدور الجيدة لا تكاد تنظر للنص بقدر رؤيتها للكاتب، موضحاً: “هناك أسماء معروفة في الوسط الأدبي، ودور النشر تطبع لها، رغم رداءة الأعمال لتلك الأسماء المعروفة.. لأنها تتعامل مع الأسماء لا مع الإبداع”.