منذ صغرها وهي تشعر أنها تمتلك طاقة وعليها أن تفجرها في مكانٍ ما، إلى أن وجدت ضالتها واكتشفت قدرتها على الكتابة للأطفال بعد عملها في مجال التربية لسنين طويلة. فاطمة شرف الدين كاتبة ومترجمة لبنانية لأدب الأطفال والناشئة، حائزة على عدّة جوائز عربيّة وعالميّة، من بينها “جائزة بولونيا” عن كتاب “لسانك حصانك” و”جائزة اتصالات” 2017 لكتاب العام لليافعين عن رواية “كابتشينو”. أصدرت مؤخراً رواية “إجاصة ميلا”. تُنشَر كتبها في دور نشر في لبنان والإمارات ومصر وبلجيكا، وقد تُرجم عدد منها إلى 17 لغة أوروبيّة وآسيويّة. نُشر لها حتى اليوم أكثر من 130 كتابًا. “ناشر” أجرى معها الحوار التالي: 

هل يختلف أدب الطفل عن غيره من الآداب؟ وأين تكمن صعوبته؟

بالطبع أدب الطفل يختلف عن غيره، فالأطفال أذكياء جدًّا، وليس من الممكن شدّهم إلى أي كتاب بمجرد أنه يحتوي على نص بسيط ورسوم ملونة، وعلى الكاتب أن يؤلف قصة تتماشى مع اهتمامات الأطفال الذين يتوجه إليهم، ويطابقها مع مستواهم الذهني والاجتماعي والعاطفي واللغوي، وتكمن الصعوبة في كيفية كتابة قصة شيّقة متكاملة، بعدد محدود من الكلمات، وبأسلوب جذاب بحيث يتمتع الطفل به حين يصغي إليه أو يقرأه بنفسه.

لاقت رواية “كابتشينو” رواجاً كبيراً إلى جانب حصولها على عدة جوائز.. لماذا؟

من خلال هذه الرواية، قمت بتسليط الضوء على قضايا حساسة وشائكة تواجه مجتمعاتنا العربية بعيداً عن المأساوية التي تبث الإحباط في نفس القارئ، وحرصت على إضافة شيء من المرح ضمن المواقف التي تربط البطل مع أصدقائه، حيث وظفت دراستي الأكاديمية وخبرتي العملية في التعليم، وهو المجال الذي يقرّبني من نفسية وعقلية الأطفال والمراهقين، فأنا أرى عالمهم من منطلق البراءة وأنسجه في قصصي.

“كابتشينو” رواية لليافعين، يستطيعون فهمها بسهولة، حيث تضيء على قضايا متعددة من الصداقة وقصة الحب بين لينا وأنس إلى قانون حماية النساء المعفنات وجهل الكثيرات بهذا القانون والحماية التي توفرها لهن الدولة، إضافة إلى قضية التوكيل على الأملاك واستغلاله من الآخرين بإجحاف.

قد يرى البعض في خاتمة رواية “كابتشينو” شيئاً من السذاجة أو النهاية العادية البعيدة عن التعقيد؟

ومن قال إن العقدة تكون في خاتمة الرواية؟! من المعروف أن عقدة المشكلة تكون في المنتصف وتدريجياً يبدأ انحلالها، ومن يحكم على “كابتشينو” عليه أن يكون في عمر المراهقة وينزل بمستوى إحساسه إلى هذه الفئة التي تكون هشة نوعاً ما، وتفتقر إلى الخبرات والتجارب، ونحن علينا تغذية هذا المراهق وتنميه عقله وعواطفه دون جرعات كبيرة، وما تم سرده في الرواية هو عفوية وبساطة وليس سذاجة على الإطلاق.

ما سبب استخدامك لأسلوب الرمزية في عنوان روايتك “إجاصة ميلا”؟

أعتقد أن الرمزية تجذب القارئ وتشده إلى اقتناء الكتاب أو الرواية وتمنحه الفضول اللازم لإكمال القراءة حتى النهاية ليكتشف المعنى المراد، فهي رواية تعالج مشكلة “الأنوريكسيا” وهو مرض هوسي شائع عند المراهقين يجربون من خلاله تخفيف الوزن إلى درجة النحافة المفرطة. فبعد حادثة مؤلمة مع زملاء صفّها، تقرّر البطلة ميلا تغيير صورتها في عيون الآخرين، من دون أن تعي مدى خطورة ما ستفعله، والإجاصة ترمز إلى شكل الجسم المثالي. لذلك أقول لكل فتاة في عمر الزهور والتي ستصبح سيدة: كوني واثقة من نفسك ولا تهتمي بآراء الآخرين.

من وجهة نظرك من يتناول قضايا المرأة بصورة أفضل: المؤلف أو المؤلفة؟

أسلوب كتابة المرأة عن هموم المرأة ذاتها يختلف عن الرجل، صحيح أن الهم الإنساني واحد ولكن النساء يفهمن بعضهن بإحساسهن ووجدانهن ويعبّرن عما يدور في خلجات أنفسهن أكثر من الرجل، ومثل هذه الكتابات تسهم في رفع سقف طموحات المرأة مستقبلاً في الحصول على المزيد من الحقوق واعتلاء المنصات في مختلف المجالات. ومن خلال زياراتي إلى معارض الكتاب في عدة دول عربية لمست أقلاماً نسائية شبابية فيهن مقداراً كبيراً من الثقافة والوعي، وأرى أن هناك بصيصاً من الأمل في الكتابات الناضجة والراقية المتجسدة في عدد كبير من الكتب التي اقتنيتها في السنوات الأخيرة.

في معظم مؤلفاتك تركزين على سيكولوجية الطفل والمراهق.. ما السبب؟

لأن الحالة النفسية مهمة في تلك المراحل وحساسة في تكوين الإنسان، ومثلما تعلّم وتربى الطفل أو المراهق سينشأ ويصبح أباً أو أماً، وبالتالي سينقل تجاربه إلى أولاده. وأنا أطمح من خلال رواياتي إلى وجود مجتمع خالٍ من العُقد والظواهر السلبية، لذلك تطرقت إلى قضايا من المجريات اليومية للطفل والشاب مثل الإدمان، والتنمر المدرسي، واستغلال الخادمة في المنزل، والسمنة. أقدم الحلول لكنني لا ألعب دور الجلاد، بل على العكس استخدم مزيجاً من المشاعر الراقية لأنني أم ومعلمة احتضن الطفل والمراهق حتى لا يهرب إلى طريق يشعره بالأمان ولكنه في الحقيقة وعر وشديد الخطورة.