لم تترك التكنولوجيا زاوية في حياة الإنسان إلا وتغلغلت فيها، لا سيما بعد استحواذ تطبيقاتها الحديثة على حيز واسع من حياتنا اليومية. وقد امتدت الثورة الرقمية لتطال “القراءة”، وتساهم في توزيع عشاقها بين الكتب الورقية، ونظيرتها الإلكترونية، التي لقيت رواجاً كبيراً في  العالم الغربي، بينما لا تزال تحبو في منطقتنا العربية، الأمر الذي أثار ولا يزال جملة تساؤلات، حول مصير الكتاب الورقي، وسطوة الإلكتروني، لتذهب بعض دور النشر في توجهاتها نحو الأخير، مع محافظتها على حضور الكتاب الورقي.

ورغم ما نشهده من ثورة رقمية واسعة النطاق إلا أن الناشر العربي، ظل محافظاً على تقاليد الكتاب الورقي، بعدم تركيز الاهتمام على الكتاب الإلكتروني، في محاولة منه لصد هجمات القرصنة التي تتعرض لها هذه الكتب، وبالتالي “خروج الناشر والكاتب منها خاوي الوفاض”، الأمر الذي أبقى الكتاب الإلكتروني ومدى انتشاره عربياً في دائرة الجدل، لينقسم فريق القراء بين مؤيد له وبين معارض، وكل “يغني على ليلاه” في طرح  الأسباب التي تدعوه للتشبث برأيه.

فوضى النشر الرقمي

“المسافة بيننا وبين الكتاب الإلكتروني لا تزال واسعة”، بهذا التعبير فضلت الكاتبة والشاعرة الفلسطينية أحلام بشارات أن تبدأ حديثها، قائلة: “المواطن العربي لم يتمرن بعد على استخدام الكتاب الإلكتروني، ولم يقم معه صداقة كاملة، تشبه علاقته مع الكتاب الورقي، وأعتقد أن سبب ذلك مرتبط بقلة الإقبال على القراءة بشكل عام، فمن لا يشتري الكتاب الورقي، لن يجتهد في الحصول عليه إلكترونياً، وبتقديري أن هذا أحد أهم الأسباب التي دعت الناشر العربي إلى العزوف عن الاهتمام بالكتاب الإلكتروني”.

نظرة أحلام لم تكن تشاؤمية بالكامل، فقد علقت أملاً على الجيل الجديد. وقالت: “الجيل العربي الجديد، مقبل على التكنولوجيا ويحسن التعامل معها بشكل عام، ولكن يظل السؤال الأهم، إلى أي حد هذا الجيل بات معنياً بالقراءة الإلكترونية، وهل هناك من يوفر له كافة احتياجاته من خلال الكتب الإلكترونية؟ بالتأكيد الإجابة هي، لا، مقارنة بنسبة النشر العربية على الشبكة الإلكترونية، والتي لا تزال قليلة”.

وأضافت: “في منطقتنا العربية لا نزال بحاجة إلى التعود على استخدام الكتاب الإلكتروني، ليأخذ حقه من حياتنا اليومية، لا سيما وأن بعض دور النشر العربية تجتهد، من خلال الكتب الإلكترونية، في تقديم منتج فكري جاد، ولكن يظل الموضوع متعلقاً بطبيعة الثقافة العامة ومدى ارتفاع الوعي الثقافي العربي بشكل عام”، مشيرة إلى أن النشر الرقمي العربي، لا يزال يعيش حالة من الفوضى، وعدم الجدية. وقالت: “النشر الرقمي لدينا لا يقوم على البحث والتأصيل، كما في عملية النشر الورقي، وما ينشر إلكترونياً هو عبارة عن تناقل معلومات فقط، وفي أحيان كثيرة لا تكون هذه المعلومات صحيحة، كونها تعتمد على جهود الأفراد، الأمر الذي حول العالم الإلكتروني العربي، في معظمه، إلى ساحة للتراشق والثرثرة”.

مبيعات الكتب الورقية أعلى

أما الكاتبة الكويتية بثينة العيسى، مؤسسة منصة “تكوين” الثقافية، فقالت: “لا أعتقد أنني أستطيع قراءة كتابي المفضل على جهاز لوحي، أو أي من التطبيقات الذكية، والسبب هو حاجتي إلى العلاقة الحسية مع الكتاب، وملمس الورق، ورائحته، وشكل الحروف وغيرها”. وأضافت: “الكتاب الإلكتروني لديه خاصية جيدة، تكمن في قدرته على حل الكثير من المشكلات سواء بالنسبة للباحثين أو أولئك الذين تعودوا السفر كثيراً،  ولا يستطيعون حمل الكتب الورقية معهم في كل مكان، لذا يؤدي الكتاب الإلكتروني في هذه الحالة دوراً مهماً وضرورياً”. وتابعت: “رغم أن كتبي ورواياتي متوفرة على المواقع الإلكترونية وتطبيق “آي كتاب” التابع للدار العربية للعلوم، إلا أنني لا أستطيع أن أتخيل نفسي وأنا أتعامل مع الكتاب الإلكتروني”.

واستطردت: “حتى أولئك الذين تعودوا التعامل مع الكتاب الإلكتروني، لا يشترونه وإنما يسعون للحصول عليه كنسخة “بي دي أف” مقرصنة، وهذا يعتبر عملية سرقة “واضحة”، والإشكالية تكمن في أن هؤلاء لا يرون في ذلك مشكلة أخلاقية”.

وأشارت العيسى، إلى أنه وقبل الحديث عن أسباب عدم انتشار الكتاب الإلكتروني عربياً، علينا أن نحدد هويته وشكله، ومدى شرعية ما ينشر لدينا في ظل غياب تشريعات تجرم القرصنة، وقالت: “أنا كناشرة لماذا أوفر الكتاب الإلكتروني في عدة مواقع، في اللحظة التي سيتم فيها قرصنة الكتاب، وتوزيعه مجاناً، خاصة وأن القانون لا يحمي الناشر ولا الكاتب”. وواصلت: “من خلال تجربتي الخاصة، مبيعات كتبي الورقية، أعلى بنحو 20 ضعفاً مقارنة مع النسخ الإلكترونية، ولذلك أفضل التعامل مع الورقي”.