هذه المشاركة متوفرة أيضا في: English

حاوره: جعفر العقيلي

 

شاكر نوري، روائي ومترجم وإعلامي عراقي، وُلد في جلولاء/ ديالى بالعراق، حصل على درجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي من كلية التربية بجامعة بغداد (1970)، وعملَ أستاذاً للُّغة الإنجليزية في الثانويَّة لمُدَّة أربع سنوات، هاجر إلى فرنسا في عام 1977 ومكثَ فيها حتى 2004 حيث حصل على درجة الماجستير في “علوم الاتصال: الصورة والصوت” من المدرسة العليا في العلوم الاجتماعية بباريس، وشهادة الدبلوم من معهد لوي لوميير في مجال التصوير والإخراج السينمائي (1979)، والدكتوراه في الإعلام من جامعة السوربون-باريس الأولى (1983).

عمل نوري أستاذاً في جامعة السوربون لعامين. كما عمل في إذاعة مونتي كارلو ومراسلاً ثقافياً لعددٍ من الصحف والمجلات العربية. وهو يعمل حالياً في الصحافة والإعلام والتدريس الجامعي في دبي بالإمارات العربية المتحدة، حيث يقيم.

من رواياته: “نافذة العنكبوت” (2000)، “نزوة الموتى” (2004)، “ديالاس بين يديه” (2007)، “كلاب جلجامش” (2008)، “المنطقة الخضراء” (2009)، “شامان” (2011)، “مجانين بوكا” (2012)، “جحيم الراهب” (2014) و”خاتون بغداد”  التي فاز عنها بجائزة كتارا (2017).

وله مجموعات قصصية منها: “جنائن دجلة”، وعدد من الكتب الفكرية والدراسات وإسهامات في الترجمة الأدبية والفكرية من اللغتين الإنجليزية والفرنسية وإليهما، مثل: “المقاومة في الأدب”، “لا تطلق النار إنها قلعة أور”، “منفى اللغة – حوارات مع الأدباء الفرنكوفونيين”، و”اللوبي الصهيوني في فرنسا”، و”بطاقة إقامة في برج بابل-يوميات باريس” الذي نال عنه جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلات (2013)، و”محاكمة برودسكي” للكاتبة فريدا فيغدورفا وإيفيم ايتكند، و”موعظة عن سقوط روما” لـ”جيروم فيراري”.

تالياً حوار مع هذا الروائي عن تجربته الروائية، ورؤاه تجاه المشهد الثقافي العربي وقضايا الكتابة والعلاقة مع الآخر، وكذلك إسهاماته في الترجمة:

 

  • في رواياتك بعامة، استثمرتَ ووظّفتَ الكنوز الأسطورية التي يزخر بها العراق. هل تعتقد أن الرواية ستكون في مقبل الأيام مرجعاً يمكن الاعتداد به للتوثيق والتأريخ، حتى إن كانت تتزيا بثوبٍ فنّي؟

مما لا شك فيه أن كاتباً ينحدر من العراق لا يستطيع أن يغضّ الطرف عن تراثه الغني وأساطيره العظيمة، فقد استلهمتُ روايتي “كلاب جلجامش” مثلاً (2008) من أسطورة ملحمة جلجامش الخالدة. ومن المعروف أن الأسطورة ارتبطت بالأدب بوجه عام وبالشعر على نحو خاص كما لم ترتبط بأيّ مؤثر آخر، بل إن الأسطورة تُعَدّ المغامرة الإبداعية الأولى التي ابتكرتها المخيلةُ البشرية فيما ابتكرته من مغامراتٍ كانت صدىً للواقع المعرفي والجمالي والتطوّر الإدراكي للإنسان.

لنقل إن الأدب يخلق الأساطير، والأساطير تخلق الأدب. هي علاقة جدلية بينهما، ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.

لقد كان تراث القصّ أو فن الحكاية العربي يصدر عن خيالٍ أقرب إلى الأسطورة كما هو مدوّن في أشهر حكايات الأدب العربي القديم مثل “كليلة ودمنة” لابن المقفع و”رسالة الغفران” لأبي العلاء المعري. لذلك تُطرَح جدلية الأسطورة والأدب، وتغدو الأسطورة المعينَ الأول للأدب عند جميع الأمم، ولا يستطيع الكاتب أن يعيش أو يتنفس من دونها.

ويمكن الإشارة هنا إلى أبحاث “لوكاتش” و”ليفي شتراوس” التي أكدت أن الابداع المعاصر يكتشف الأساطير ويعيد صياغتها من جديد.

 

  • تطرح في رواياتك مسائل وجودية وروحية وفلسفية، ويتوق أبطالك إلى معرفة الجوهريّ في الحياة، ولا يترددون في الخوض في علاقة الذات مع خالقها. كما يلحّ سؤال “الحرب” على ما تكتبه. إلى أي مدى تلبّي الروايةُ حاجتك لإثارة الأسئلة؟ وهل من شأن ذلك أن يضيف بعداً جمالياً إلى العمل الأدبي؟

أستطيع القول إنني روائي في قلب العاصفة، ويمكن للقارئ ملاحظة أن رواياتي عراقية صرفة حدَّ العظم، وكلها تدور حول العراق، بل إن معظمها يدور حول مدينتي الصغيرة “جلولاء” في محافظة ديالى، وهي المدينة الرمزية بالنسبة إلي، وستبقى كذلك في ذاكرتي.

رواياتي “نافذة العنكبوت” و”المنطقة الخضراء” و”مجانين بوكا”، كلها تدور حول الحرب بشكل أو بآخر، سواء الحرب العراقية الإيرانية أو حرب أمريكا على العراق. لا يوجد كاتب حقيقي إلا ويكون ابن بيئته. هناك من يقول إن الوقت لم يحن بعد لكتابة رواية عن الاحتلال الأمريكي، ولكنني أعتقد أنه بعد مرور عشر سنوات على الغزو يمكننا أن نكتب، وسنواصل الكتابة في ذلك على مدى أجيال، فالكتّاب الفرنسيون ما يزالون يكتبون عن الحرب حتى الآن.

التاريخ هو الحاضر والحاضر هو التاريخ، لا انفصال بينهما لأن كلّاً منهما يلقي بظلاله على الآخر. ولكن أفكار رواياتي تجنح نحو عوالم الفلسفة الوجودية، لأن السرد وحده لا يكفي، وإلّا أصبحت جدّاتنا روائيات عظيمات.

لا بد من الوصول إلى الفكرة الفلسفية بعد الانتهاء من قراءة الرواية، وهي تعطينا هذه الفسحة من الخيال والفلسفة في آن واحد.

 

  • لغتك في الكتابة كما يصفها نقاد “ليّنة، وصّافة وساردة”. هل تعتقد أن إبداع الرواية يمكن أن يتحقق من دون إبداع في اللغة. وهل يُطلَب من كل رواية أن تخترع لغتها الخاصة بها؟

لا إبداع في الرواية من دون إبداع في اللغة، كما يقول الروائي الفرنسي “فرناندو سيلين”، لأن اللغة الروائية هي التي تفجّر طاقات التفكير عند القارئ قبل كل شيء.

إنّ اللغة المسطّحة، التي لا ترتبط بالذهن ولا بنبض الحياة، هي لغةٌ ميتة، لذلك يجب على الرواية أن تخترع لغتها. وأنا أعدّ مسألة اللغة جوهرَ كل إبداع في الأدب، فاللغة السائدة تبثّ الكسل الذهني، وخاصة عند تكرار الكلمات والعبارات الجاهزة، وما أكثرها في اللغة العربية! لذلك يكون كسرُ اللغة نقطةَ البداية لانطلاق الرواية، وهو ما يستدعي من كل رواية أن توجِد لغتها الخاصة.

المتعة هي ما يبحث عنه القارئ، وإن لم تتوفر هذه المتعة فإنّ نقصاً واضحاً سيعتور الرواية. واللغة جزء من تقنيات الروائي لجذب القارئ إلى عالمه، لا سيما أن فعل القراءة في عالمنا العربي في تراجُع بفعل هيمنة التقنيات ووسائل التواصل الاجتماعي.

قبل أن يبدأ الروائي بكتابةِ روايته الجديدة، ينبغي أن يفكر بما ستكون عليه اللغة الروائية، فالإبداع لا يكون كذلك إذا لم يُحرز اختراقاً على صعيد اللغة، بخاصة في الرواية.

وأشير هنا إلى أن روايتي الأولى “نافذة العنكبوت” ظلت بين يديّ عشرة أعوام قبل أن أدفعها للنشره، وخلال ذلك كان عليّ أن أجيب عن السؤال التالي ممارسةً: أيُّ لغة أستخدم فيها: لغة همنغواي القصيرة البرقية أم لغة مارسيل بروست ذات الفقرات الطويلة؟!

 

  • تشتغل على تنقيح ومراجعة مخطوطتيك “سوناتا بغداد و”أرواح باريس” بعد أن أصدرتَ “ديالاس بين يديه” التي تعدّ الجزء الأول من هذه الثلاثية. هل تدوّن من خلال هذه الأعمال سيرتك روائياً، أم هي روايات سيرية؟

هذه الروايات تتحدث عن ثلاث مدن صاغت تجربتي الأدبية: جلولاء وبغداد وباريس. من المفارقة أنني عشت 27 عاماً في العراق و27 عاماً في باريس.. وأنا الآن في دبي منذ عام 2004.. إنها روايات السيرة الذاتية، ولكنها ليست سيرة ذاتية حقيقية، بل متخيَّلة في أغلب الأحيان.

 

  • تتنافذ أعمالك السردية مع السينما والتشكيل والمسرح والصورة. هل هذه السمة انعكاسٌ لثقافتك، وبخاصة التي اكتسبتها خلال إقامتك في عاصمة الأنوار؟

أمضيتُ أكثر من ربع قرن في باريس، وهي التي فرضتْ عليّ أن أكون على صلةٍ بكل الفنون التي تقدمها المدينة، فلا يمكن أن تقول إنني كاتب بينما لا يهمّني أمر معرض عن بيكاسو أو فان كوخ، أو مسرحية لبيتر بروك تُعرض على مسارح باريس، أو فيلم جديد يُعرض على الشاشة. الفنون جميعها مرتبطة بعضها ببعض، وعلى الروائي أن يوظف ذلك في أعماله الإبداعية.

باريس تثير شهوة الكتابة لأنها مدينة أسطورية كما أثينا وروما وبغداد وأسطنبول، وقد توحّدت بمصابيحها المضيئة في التاريخ ذات مرة، لها مدفنُ عظمائِها وأقواسُ نصرِها وأعمدتُها الرخامية وخرائبها المندثرة مثل مدينة القياصرة، ولها أبطالها وجزرها الصغيرة مثل إسبرطة، ولها تناقضاتها الطبقية مثل نيودلهي، ولها روادها مثل برلين، ولها حريمها مثل القسطنطينية، ولها كرنفالها مثل البندقية، ولها هنودها الحمر مثل تكساس، ولها دراويشها مثل بغداد.

باريس هي برج بابل الذي تلتقي فيه كل الأجناس والأديان والعلوم والفلسفات والصناعات والفنون دون أن يحاول أحد توحيدها. هكذا ألّفتُ كتاباً عن باريس. وهكذا كتبت رواياتي، بحضور الفنون جميعاً واشتباكها في النص.

 

  • أنت تعمل في الصحافة منذ عقود، ما الأثر الذي تركه الإعلام في منجَزك الأدبي أو في صياغة موقفك مثقَّفاً؟

الإعلام مهنة، أما الثقافة فليست كذلك. المثقف يجب أن يكون في قلب أحداث مجتمعه ولا يساوم على القيم التي يؤمن بها. المثقف هو روح الأمة، والدليل على حيويتها ونهوضها، ومن دون المثقفين لا يمكن لأيّ أمة أن تقوم لها قائمة. لكن مفهوم المثقف كثيراً ما أسيء فهمه أو تم تحريفه عن مساره. المثقف الحقيقي يجب أن يحتفظ بمسافة بينه وبين السلطة، أيّ سلطة، حتى لو كان يؤمن بها، لأنه يجب أن يصحّح مسارها.

نعم؛ الصحافة جعلتني في قلب الأحداث، لكنني حرصتُ على ألّا تؤثر في عملية الإبداع. كما إن اللغة الصحفية تمثل خطراً على الرواية، لأنها قد تعمل على تسطيحها، والإبداع في الرواية هو إبداعٌ في اللغة أولاً. لذلك عندما أنغمس في كتابة الرواية أنسى الصحافة، بل أبعدها عن ذهني قدر الإمكان، وأحاول أن أتحول إلى أسطورية العمل الروائي وملحميته. اللذة التدريجية التي نجدها في الرواية تكاد تغيب عن الصحافة التي تسعى لأن تكون مباشرة وسلسلة ومفهومة.

 

  • هل تضع مخططاً مسبقاً للرواية قبل أن تشتغل عليها، بما في ذلك الأحداث والمنعطفات والمصائر، أم إنك تبدأ ثم تقودك خُطى الأبطال والشخصيات إلى مآلاتها؟

لا أضع أيّ مخطط، بل إن أفكار الروايات تأتيني، وهي كثيرة للغاية، ويحصل أن أكون منكبّاً على تنقيح رواية مخطوطة حين تداهمني فكرة رواية جديدة، فأترك الأولى وأنهمك بكتابة الرواية الجديدة، وقد لا أكملها لأن فكرةً جديدة تلحّ عليّ لأبدأ كتابتها، فتتكون عندي هياكل لروايات عدة في وقتٍ واحد. ثم أقوم بتحرير الرواية التي تستهويني أكثر من سواها وأدفعها للنشر بعد أن أقتنع بها بطبيعة الحال. الكتابة بالنسبة لي عسيرة، لأنني أقوم بإعادة كتابة النص مرات عديدة وأمرر عليه الألوان: الأسود، والأحمر، والأزرق، والأخضر.. أيْ أعيد الكتابة أربع مرات على الأقل.

لدي الآن عدد هائل من الروايات التي فرضها علينا الواقعُ العراقي الغني، فما يتوفّر للروائي العراقي من خزين قد لا يتوفّر لروائي آخر أبداً، وذلك يعود للظروف التي عاشها ويعيشها هذا البلد إضافة إلى تراكم تراثه على مرّ العصور. العراق هو الكون، أي يحتوي على جميع العناصر الدرامية. إذا كنت تبحث عن أيّ موضوع في العالم تجده في العراق: ماذا تريد؟! الخطف؟ أصبحنا البلد الأول في الخطف. تريد الفساد؟ تقدمنا على كثير من البلدان. القتل؟ تفَنَّنّا في القتل. السجون؟ لدينا سجون المليشيات السرية. تريد المخدرات؟ أصبحنا أسياد المخدرات. تريد تفجيرات؟ لدينا فنون التفجيرات. تريد الأرامل؟ لدينا ملايين الأرامل. تريد أطفال الشوارع؟ لدينا الملايين. المهجَّرون؟ لدينا الملايين. خراب المدن؟ لا يوجد بلد هُدمت مدنه كالعراق: الموصل والأنبار وووو… ماذا تريد؟! فساد البرلمان؟ البرلمان الأكثر فساداً في العالم. السرقات؟ بالمليارات وليس بالملايين. قل ماذا تريد أكثر؟! خيانة المثقفين لشعبهم؟ مئات المثقفين العراقيين كتبوا رسالة إلى جورج بوش يهنئونه بالنصر. هم يطْلقون على الاحتلال تعبير “التغيير” والأمريكان أنفسهم يطلقون عليه “الاحتلال”. المفارقات لا تنتهي.. لكن أين الروائي العراقي من كل ذلك؟ ما يُنشر من روايات عن هذا الواقع هزيل جداً، وهو لا يرقى إلى متطلَّبات الفن الروائي الملحمي.

 

  • قمتَ بترجمة عدد من الأعمال الأدبية والفكرية إلى اللغة العربية. كيف تنظر إلى عملية الترجمة، وما الفرق بينها وبين التعريب، وأيّهما تفضّل اعتماده في تجربتك؟

لستُ مترجماً محترفاً، لكنني أحب ترجمة الكتب التي أُعجَب بها. والترجمة مهمة صعبة للغاية، لهذا تسود الترجماتُ الحرفيةُ المشهد، وهذا مما يُفقد المعنى. أنا أفضّل أن أقول: “النص العربي” بدلاً من “الترجمة”، أيْ خلق معادل موضوعي للنص الأصلي بعيداً عن الترجمة الحرفية القاتلة.. أحدهم ترجم “جاك دريدا” وعندما قرأتُ النصّ مترجَماً عثرتُ على كلمة “ثقب” ولم أفهم المقصود بها، فرجعتُ إلى النص الأصلي لأكتشف أن “دريدا” يقصد بها “غرفة الملقن” التي يتم من خلالها إسعاف الممثل بتذكّر النص. وكما تلاحظ، لا معنى لـ “الثقب” في هذه الترجمة، حتى لو كان صوت الملقّن يخرج منه! وقس على ذلك.

الترجمات العربية –للأسف- مليئة بأخطاء سوء الفهم، لأن المترجمين في الغالب، يتعلمون اللغة نظرياً من الكتب وليس من الممارسة، كما إن بعضهم يترجم من لغات وسيطة، كما حدث لـ “الكوميديا الإلهية” التي تُرجمت من الفرنسية لا من لغتها الأصل، رغم أن هذا النص الكوني لا يمكن النظر إليه من زاوية اللغة فقط، فهو يجسد عادات وتقاليد وروح شعب بكامله، ومَن لم يعِش في هذا المجتمع ويتمثل اللغةَ اللاتينية لن يتمكّن من ترجمة هذا العمل العملاق.

 

  • من المعروف أنك ما إن تنتهي من رواية حتى تبدأ في أخرى، كأن الكتابة هي فعلُ الحياة لديك. حدّثنا عن مشروعك الذي بين يديك الآن..

ستصدر لي قريباً ثلاث روايات هي “فانوس كومباني”، و”أرواح باريس”، و”طائر القشلة” التي تتحدث عن اغتيال الممثل المسرحي كرار نوشي في بغداد. بالطبع، لن تصدر هه الروايات دفعة واحدة، بل بالتتابع. ولدي ورشة عمل كتابية دائمة في البيت. هناك روائيّ لديه مشروع روائي، وهناك روائي يكتب رواية أو روايتين أو ثلاثاً. وثمة اختلاف بين هذا وذاك.

 

  • فازت روايتك “خاتون بغداد” بجائزة كتارا (2017)، عمّا تتحدث هذه الرواية؟

لقد تزامَن صدور “خاتون بغداد” مع مرور 100 عام على الاحتلال البريطاني للعراق الذي بدأ عام 1917. وتتمحور الرواية حول شخصية “غيرترود بيل”، المثيرة للجدل، التي دخلت العراق مع القوات البريطانية باعتبارها مسكتشفة آثار، ثم أصبحت السكرتيرة الشرقية للمندوب السامي في بغداد آنذاك “بيرسي كوكس”، والتي توفيت في عام 1926 ودُفنت في المقبرة البريطانية في الباب الشرقي.

اعتمدتُ في هذه الرواية على الوثائق، ولكنّها ليستْ رواية وثائقيّة، ولا تُؤرِّخ بقدر ما ترصد الصراعَ المليء بالعواطف والأحاسيس لأسطورةٍ حيّة وامرأةٍ إشكاليّة عاشت وماتت في بغداد.

وتعتمدُ الرّواية في تِقنيتها على شخصيّات مهووسةٍ بهذه المرأة التي صنعت المُلوك في الشَّرق، ووطدت علاقتَها مع كِبار القادة والسِّياسيّين أمثال السير “بيرسي كوكِسْ” و”هنري دوبسْ” والمِستر “جون فيلبي” و”تشِرشِل” ولورنس العرب.

وقد حاولتُ فيها الخُروج عن سكّة السَّرد التاريخي الرَّتيب، وقدَّمتُ حبكةً تدور حول الاستعمارَيْن البريطاني والأمريكي للعراق عبرَ شخصيَّةِ هذه المرأة وستِّ شخصيَّاتٍ أخرى افتُتِنوا بها وبحثوا عنها كما بحثتْ شخصياتُ “بيرانديللو” عن مؤلِّف.

ويمكن القول إنها أوَّل روايةٍ تُكتب عن مؤسَّسة المملكة العراقيَّة والدّستور العراقي والمتحف العراقي والمكتبة الوطنيَّة، إذْ لم يُكتبْ في هذا الجانب سوى كتاباتٍ نقديَّة وتاريخيَّة، ولم تحظَ هذه الموضوعات سابقاً بروايةٍ أو عملٍ أدبي حولها.

“خاتون بغداد” روايةٌ تعيدُ الاعتبارَ لهذه الشخصيَّة الفذَّة التي ألَّفتْ عن العراق 16 كتاباً وأصبحت جزءاً من تاريخ العراق المعاصر، من خلال المزج بين التاريخ والعاطفة والخيال والسّيرة، كلّ ذلك في بوتقةٍ واحدة تتجانسُ فيها عناصرُ السَّرد والمسرح والسينما والسيناريو والمُراسلات.