هذه المشاركة متوفرة أيضا في: English

قطاع النشر في المملكة المتحدة بحاجة إلى التنوع

 

باتت الحاجة إلى مزيد من التنوع في مجال صناعة النشر أمراً ملحاً في المملكة المتحدة، سواء من حيث تنوع الكوادر العاملة في هذا القطاع أو المواد التي يتم نشرها. وانطلقت العديد من المبادرات الرامية إلى معالجة هذه القضية، ومنها المبادرة التي أطلقتها سلمى إبراهيم البالغة من العمر 23 عامًا، والتي أهلتها للفوز، مؤخراً، بإحدى جوائز “تريل بلايزر” المرموقة في معرض لندن للكتاب، التي تمنح للأفراد العاملين في مجال النشر، ممن تقل أعمارهم عن 30 عامًا، ويمثلون نجومًا واعدين يمهدون الطريق نحو مستقبل مشرق.

فازت سلمى بالجائزة عن مؤسستها التي بدأت عملها في فبراير 2018 تحت اسم “ليتراري نيتفز”، والتي تُعنى بالدفاع عن أدباء الثقافات المهمشة في المملكة المتحدة من خلال الفعاليات وورش العمل، وتقديم فرص العمل في مجال النشر.

“ناشر” أجرى حواراً مع سلمى إبراهيم بعد حفل توزيع الجوائز في لندن.

ما الهدف من “ليتراري نيتفز”؟

أنا في الحقيقة كاتبة روايات صاعدة، واجهت في بداية مسيرتي العديد من المصاعب، وأدركت بأن معظم هذه الصعوبات إما صعوبات ذهنية أو على مستوى الهيكلية. كما أن معظم المجموعات والورش التي شاركت بها بغية اللقاء مع كتاب آخرين والحصول على الدعم كانت تهيمن عليها الطبقة المتوسطة البيضاء. وعلى الرغم من ثقتي بنفسي إلا أنها لم تساعدني على تخطي الشعور بالعزلة، والتأثير على قدراتي الإبداعية. أردت أن أذكر نفسي بأن أناساً مثلي يمكن أن يصبحوا مؤلفين وأن يحجزوا مقعدهم في عالم النشر.

تخرجت في ذلك الوقت من الجامعة التي كان معظم طلابها من البيض والطبقة المتوسطة (على الأقل في قسم العلوم الإنسانية). وتعرضت للعديد من المشاجرات كوني روائية يافعة وطالبة مختلفة. ومن هنا ظهرت فكرة الدار والتي تُجسد رغبة عارمة في انتزاع مكان خاص لنا نحن كتّاب الثقافات المهمشة ضمن المشهد الثقافي.

أغوتني مشاعر الانتماء والأمان التي قدمتها الكتابة والكتب، وأسهمت في تغيير حياتي وحياة الملايين من القراء والكتاب حول العالم. إن اختياري لاسم “ليتراري نيتفز” (أدباء أصليون) تعبير عن فكرة الانتماء والمواطنة لمن ينتمون لهويات قومية وعرقية معقدة ولكنهم يشعرون بالدفء عندما يكتبون.

أخبرينا المزيد عن بعض المبادرات التي وضعتيها؟

نظمت المؤسسة في 2018 سبع فعاليات وتعاونت على إطلاق عدة فعاليات لمؤسسات أخرى. تميزت الفعاليات القليلة الأولى بتنظيم متناسق إلى حد ما، وارتكزت على دمج المناقشات الكتابية مع القراءات الحية والأداء الفعلي: فالفعالية الأولى عرضت أعمال بعض مؤلفي الثقافات المهمشة متحدثين فيها عن مشاعرهم وإحساسهم عند كتابة ونشر تلك الكتب. وأقمنا بعد ذلك فعالية الشعر الحي ورواية القصص، ومن ثم فعالية تشتمل على مسابقات للفوز بالكتب، وخصصنا في نهاية الندوة وقتاً للتواصل مع الحاضرين.

نظمت إحدى الفعاليات في أسبوع اللجوء السنوي بمتحف الهجرة في لامبيث. وهي من الفعاليات المفضلة لدي، لأن الجميع شارك في الحوار عن موضوع الهجرة وتنوع الأصول والأوطان حول العالم.

بحلول نهاية 2018 قمنا بإعادة إطلاق موقعنا الإلكتروني وتحديثه بإضافة بعض فرص العمل في قطاع الكتابة الإبداعية والنشر في لندن. ونأمل أن تحظى تلك المهن بانتشار واسع عبر العالم، وأن نوفر لمتابعينا المزيد من المصادر والنصائح حول الكتابة.

أحد أهدافنا لعام 2019 هو توسيع نطاق وصولنا الرقمي وإتاحة المزيد من الفرص والمساحات على الإنترنت للكتاب مثل إعداد ندوات إلكترونية للتواصل مع خبراء عالم النشر وإعداد المزيد من الفعاليات والورش لبقية العام. وقد حظيت مؤسستنا بشراكة مع مبادرة التنوع البريطانية لتنظيم فعالية يلتقي فيها كتاب من مختلف الثقافات المهمشة مع عدة وكلاء من دور النشر بغية معرفة المزيد عن كيفية نشر أعمالهم.

هل تعتقدين اليوم بأن فكرة التنوع قد حظيت باهتمام الناشرين؟

في حقيقة الأمر، واحدة من أكبر المفارقات في عصرنا هي عدم وجود ترابط بين عدد المرات التي يناقش فيها موضوع معيّن (عبر الإنترنت) ومدى فهم الناس لذلك الموضوع. وبناء عليه يُساء فهم التنوع بشكل كبير، ويبدو أن مؤسسات النشر قد اعتمدت نظرة سطحية للغاية حول هذا المفهوم: فهم يحصرون الأمر في إعداد مخططات ودورات تدريب تجمع أفراد الثقافات المهمشة مع بعضهم البعض ومن ثم نسيان الأمر. وحتى يتسنى لمؤسسات النشر ممارسة التنوع بشكل صحيح، عليها أن تفكر في إتاحة الوصول والاندماج. ويعني ذلك أنهم بحاجة إلى التفكير في كيفية دمج المجموعات المهمشة بشكل أفضل داخل مؤسساتهم. فليس من اللائق أن تدعو هؤلاء إلى طاولة الحوار من ثم تفشل في الاستماع إليهم. ومن ثم يتطلب هذا الأمر بعضاً من التدريب والتعليم واستعداد هؤلاء لإجراء تغييرات هيكلية كبيرة. إلا أنه في حال كان جميع المحررين والمديرين التنفيذيين في دار النشر من  البيض، فلن يحدث أي تغيير حقيقي.

حدثينا أكثر عن نشأة سلمى إبراهيم؟

غادر والداي الصومال أثناء الحرب عام 1991 وعملوا في أفريقيا قبل مجيئهم إلى المملكة المتحدة. ولدت في زيمبابوي ومن ثم جئت إلى المملكة المتحدة معهما وكان عمري ثلاث سنوات. بدأ ولعي بالقراءة عندما سمعت قصة جاك وحبة الفاصولياء في الحضانة، وأصبحت عاشقة لرائحة الكتب. بعدها ذهبت إلى المدرسة، وبدأت في دراسة المستوى الأول الذي كنت أجده صعبًا باستثناء فصل الأدب الإنجليزي بسبب عشقي وولعي بقراءة الأدب الأمريكي في القرن العشرين. تحدثت بعدها مع والداي حول رغبتي في دخول عالم الأدب، وحظيت بتشجيعهما.

حصلت في أول يوم لي في قسم اللغة الإنجليزية في جامعة ساوثهامبتون، على بطاقة مسبقة الدفع لشراء الكتب، استمتعت بالجامعة كثيرًا حيث شعرت أخيرًا بتحقيق ذاتي ورغبتي. مثلت الجامعة فقاعة دافئة مليئة بضوء الأدب والحرية، على الرغم من تعقد الأمور في بعض الأحيان. خلال سنتي الأخيرة تحدثت إلى المشرف على رسالتي عن رغبتي بكتابة رواية وكسبت تشجيعه. عند انتهاء الجامعة، عملت بدوام كامل في سيتي ليت في لندن. وهناك أخذت دورات في الكتابة والأدب وتطرقت لكتابة روايتي في المساء وعطلات نهاية الأسبوع. وبعدها بعام واحد، أنشئت مؤسسة “ليتراري نيتفز”.

ماذا تقرأين هذه الأيام؟

أقرأ رواية “الطريق إلى الأمام بقلب محطم” للكاتبة أليس ووكر. وهي مذكرات تتناول تجاربها المبكرة في الكتابة وعلاقاتها الشخصية.

اختاري كتابًا ترك أثر عميق عليكِ؟

كتاب “طريق الغبار الأحمر” للشاعرة الاسكتلندية جاكي كاي، تتحدث فيه عن سيرتها الذاتية وقصة لقائها بوالدها البيولوجي في نيجيريا وأمها البيولوجية في اسكتلندا. قصة مليئة بالرموز والاستعارات المعقدة، حيث تشعر الفتاة دائمًا بأنها مقطوعة عن جذورها، في حين أن والدها عالم أحياء، وحقيقة مقابلتها لوالدتها في غرفة فندق كما لو أنها كانت سرًا قذرًا. واحدة من القصص الحقيقية الصعب تخيلها.