هذه المشاركة متوفرة أيضا في: English

فيء ناصر – لندن

حينما أقتربتُ من جناح منشورات الجمل في الدورة ال27 من معرض ابو ظبي للكتاب، لأجري حوارا مع خالد المعالي الشاعر والناشر ومؤسس منشورات الجمل، كان خالد في قمة انشغاله مع الكتّاب والقرّاء، لذا إبتعدتُ عنه بعد أن عاينتُ مجموعة عناوين الكتب التي يعرضها في جناحه بصمت.

منيتُ نفسي بفرصة أخرى للقائه، والحديث المطول معه عن دار النشر التي أسسها في كولونيا في ألمانيا عام 1983، بآلة طباعة مفردة وجهود فردية بسيطة، وأصبحت بعد مضي أكثر من 25 سنة من أهم دور النشر العربية التي تعنى بنشر كتب الأدب العربي الحديث، النثر والشعر والنقد، والكتب المترجمة من جميع اللغات إلى العربية، إضافة إلى الأعمال العربية الكلاسيكية، وكذلك الكتب التي تتناول الموضوعات المحرمة التي يمكن ان تتعرض للمنع في بعض الدول العربية.

لم يمض وقت طويل حتى التقيت خالد المعالي مرة أخرى في لندن بصحبة الناقدة والكاتبة العراقية فاطمة المحسن وكان هذا الحوار الذي اختلط به الهم الشخصي لخالد مع هموم ومشاغل منشورات الجمل التي يديرها.

يصف خالد المعالي نفسه بـ: الناشر المهني الذي يدفع الحقوق المالية للكتّاب أو المحققين أو المترجمين، يشتري حقوق نشر الكتب الأجنبية، وكذلك يدفع حقوق الترجمة وهذا هو الفرق بينه وبين الناشر الآخر “وكيل المطبعة” كما يسميه، الذي يستوفي تكاليف النشر من المؤلف، فيقول: “حينما أتفق مع المؤلف على نشر كتاب ما، منشورات الجمل هي التي تتكفل بكل تكاليف نشر الكتاب، لا توجد هذه الميزة مع دور نشر عربية كثيرة، وأن أسوأ ما يحدث في عالم المطبوعات العربية هو أن يستوفي الناشر تكاليف النشر من المؤلف، وأحيانا يضع الناشر شرطا في العقد؛ انه في حالة فوز الكتاب بجائزة فأن الناشر له الحق في أخذ 50% أو 30% من قيمة الجائزة، هذه عملية غير مهنية وتعتبر فضيحة بمعايير النشر في المقاييس العالمية.”

لو أرسل إليك مؤلف ناشئ ديوان شعره أو روايته الاولى هل ستنشرها؟

أنا ناشر محترف اقرأ المخطوطة أولاً وأفكر بالجدوى الثقافية والاقتصادية والمعرفية، وماذا سيضيف الكتاب للمكتبة العربية، قد أنشر كتاباً لمؤلف غير معروف، فحينما نشرت للكاتب الراحل حسين الموزاني مجموعته القصصية الأولى لم يكن قد سمع به أحد، وهذا ينطبق على كتّاب وكاتبات مثل الفلسطينية ابتسام عازم والتونسي أيمن الدبوسي. كوني شاعرا أصلا قد منحني مناعة ما في عدم ارتكاب أخطاء كثيرة في عملية نشر الكتب التي لا تستحق النشر.

الناشر الحقيقي ينشر كتبا ربما لا تلاقي النجاح، وقد تكون عملية نشرها خطأ من الناحية التجارية، لكني أطمح بنسبة نجاح 70% للكتب التي أنشرها، وهي كتب جيدة وممتازة وبعضها جديد ويضيف إلى المكتبة العربية، لكني لا أغفل النجاح التجاري الذي تحققه بعض هذه الكتب وليس كلها، لأن أغلب الكتب الحقيقية والمهمة تحتاج إلى وقت لتحقيق الانتشار والشهرة وحتى إلى إعادة اكتشاف وقراءة، وأن يتناولها النقاد والإعلام بكافة انواعها.

لقد قمت بمغامرات كثيرة كناشر، فقد نشرت كتب هائلة بحجم المعرفة التي تحتويها لكنها لم تنجح تجارياً، لكن الكتب التي نجحت هي الأغلبية وأنا متيقن أن الكتب التي لم تنجح الآن سينجح أغلبها مستقبلا.

في أي بلد عربي تبيع منشورات الجمل كتبها أكثر؟

منشورات الجمل ناجحة كماً ونوعاً، وتبيع في كل البلدان وهذا هو السبب الذي يجعلني قادر على الاستمرار في المغامرات النشرية. لكن حسب تجربتي في معارض الكتب، فانا اقول بكل ثقة يوجد جمهور واسع ومتعطش للكتاب الجديد في كل البلدان العربية.

هذا يعني أنك تنفي مقولة إن العرب لا يقرأون؟

دعينا نعترف أن نسبة القراءة قليلة في العالم العربي قياساً لنسبة السكان وهناك أسباب عديدة لهذا، لكن هناك أيضاً القارئ الفضولي، أو الذي أطلق عليه (القارئ اليتيم) وهو الذي ينتظر وصول الكتاب من سنة إلى سنة أخرى من خلال المعارض، وهذا شيء يذهلني شخصياً، في كل معارض الكتاب حتى في البلدان غير المستقرة مثل اليمن وليبيا دائما هناك قارئ يتيم يبحث عن ضالته في الكتب، فكلما شككتُ أن كتاباً ما يعد نشره مغامرة قد لا تحقق النجاح، وجدت قارئاً يبحث عن هذا الكتاب بالتحديد، وهذا هو القارئ الذي يجفف عرق جبيني دون أن يدري.

ماهي نوعية الكتب التي ينصب اهتمام منشورات الجمل عليها؟

دار النشر الحيوية هي التي تنشر كل صنوف الكتب، دواوين الشعر مثلاً، لا تسوق تجارياً بشكل جيد، لكن لو رجعت إلى دور النشر الغربية لوجدتِ أن الشعر يعد أساسياً في مطبوعاتها، نحن ننشر الشعر بشكل أقل من الرواية التي لها حضور أساسي مثل حضور كتب التراث والمؤلفات العربية غير الشعرية والكتب المترجمة من جميع لغات العالم.

 منشورات الجمل تطمح أن تكون سلة الزهور التي تحوي وتساهم في نشر كل صنوف المعرفة، وفي كل عام نحاول تقديم زهور معرفية مختلفة للقارئ العربي ربما لم تنشر سابقا، فمثلا خلال هذه السنة سنقدم في حقل كتب التراث شاعر عراقي قديم من القرن الرابع الهجري (ابن الحجاج البغدادي) وسيصدر ديوانه بأربعة أجزاء وأكثر من ألفي صفحة وبتحقيق الباحث العراقي سعيد الغانمي الحائز على جائزة الشيخ زايد، الذي شرح كل المفردات المفرطة في العامية البغدادية في القرن الرابع الهجري. كما تفخر منشورات الجمل بأنها حققت أو أعادت تحقيق بعض كتب التراث التي تعرضت للتشويه والحذف مثل ما فعلنا في ديوان صفي الدين الحلي.

هل تتعرض منشورات الجمل لمضايقات أو منع لبعض الكتب في المعارض العربية؟

نعم، لكن المنع يكون بحسب البلدان وحسب الاوضاع السياسية، فهناك بعض البلدان لديها قوانين واضحة لنوعية الكتب التي تمنع من العرض ونحن كناشرين نحترم القوانين ولا نتجاوزها. لكن هناك منع يحدث أثناء فترة إقامة المعارض ولا نكون على علم مسبق به، ويختلف الأمر في كل عام وتتحول العملية إلى هرج ومرج بدون أي ضوابط. لكن هذه المشاكل بسيطة، لأن الأمور أصبحت واضحة في أغلب معارض الكتب في العالم العربي، ويتم فيها إعلام الناشرين مسبقا بالمنع الذي يطال بعض المطبوعات.

هل فوز رواية ما بجائزة أدبية مرموقة يساهم في نجاح مضاعف لمنشورات الجمل معنوياً ومادياً، كما حدث مع “فرانكشتاين في بغداد”؟

أقول لك الحقيقة، جميع الجوائز العربية لا تخدم تقريباً انتشار الكتاب، إلا البوكر العربية، فهي الجائزة الوحيدة التي تساهم في انتشار الكتاب، حالما تدخل الرواية في القائمة الطويلة فهي تحظى بطبعة ثانية، وإذا دخلت إلى القائمة القصيرة ستحظى بطبعات أخرى، أما إذا نالت الجائزة فستزداد المبيعات بشكل مضطرد وهذا يعود بالنفع إلى المؤلف ودار النشر والموزع.

كيف تحصل منشورات الجمل على حقوق الترجمة للكتب الأجنبية؟

حقوق الترجمة تختلف من ناشر إلى آخر ومن كاتب إلى آخر، فأحيانا نتعامل مع المؤلف مباشرة، لأن المؤلف يهمه التدخل في أمور ترجمة كتابه إلى اللغات الأخرى كما حدث مع الكاتب الفرنسي جيلبرت سينويه، لكن في كل الأحوال فإننا نتعامل مع الناشر الاصلي للكتاب. مؤخراً، اشتريت حقوق النشر من أكبر وكالة أدبية متخصصة في أدب أمريكا اللاتينية ومقرها برشلونة، وكذلك اشتريت حقوق النشر لأدباء معاصرين قبل الشروع في ترجمة أعمالهم وكلها عمليات قانونية معروفة وموثقة بعقود.

ماهي الكتب التي تحظى بشهرة ونجاح أكبر، الكتب العربية أم الكتب المترجمة إلى العربية؟

لكل كتاب خصوصية، فهناك رواية عربية قد تحظى بانتشار واسع بينما كتاب عربي آخر مهم جدا لكنه لا يحظى بالانتشار، وهذا هو الحال مع الكتب المترجمة أيضا. نجاح وشهرة كتاب ما هي إلا عملية تخضع لسوق القراءة.

ما الذي جعلك تنقل منشورات الجمل من المانيا إلى بيروت؟ وأين تضع منشورات الجمل بعد مرور 25 سنة من تأسيسها على لائحة دور النشر العربية؟

 نقلت منشورات الجمل إلى بيروت لأسباب عملية منها: لكي أكون قريب من العالم العربي لبيع وتسويق الكتاب ولأن لبنان بلد به كل مقومات صناعة الكتاب، مثل تصميم وطباعة الأغلفة والطباعة والتصحيح، بحيث أستطيع أن أنجز الكتاب وأبيعه في العالم العربي بتكلفة مناسبة. على دار النشر الناجحة أن تكون لديها خطة اقتصادية من أجل تقديم الكتاب بسعر مناسب للقارئ ذي الدخل المتوسط. أما أين أضع منشورات الجمل بعد مرور كل هذه السنوات، فهذا الأمر لا يعنيني ولا يشغل بالي أبداً، الذي يعنيني دائما هو ما سأنشر من كتب قادمة.

ما هو أهم معرض للكتاب في المنطقة العربية، أو المعرض الذي له خصوصية لديك من بين معارض الكتب؟

كل معرض له ميزة خاصة، لكن معرض الكتاب في الشارقة هو أحد أنجح معارض الكتب التي اشارك بها، فهو يتميز بكثافة دور النشر المشاركة والحضور الجماهيري، وعلى المستوى الشخصي هو المعرض العربي الأول الذي شاركت به وكنت ناشرًا صغيرًا وغير معروف في المانيا عام 1994 وتم منحي جناحاً مجانيا لسنوات وتم تسهيل الكثير من الأمور، ولي مع هذا المعرض مشاعر خاصة وذكريات وكان فاتحة تعاملي مع صناعة الكتاب في العالم العربي.