هذه المشاركة متوفرة أيضا في: English

في 20 تموز/ يوليو 2017، جرى الاحتفال في “المكتبة الوطنية” في تونس العاصمة بنقل الجزء الأوّل من مكتبة أسرة بسيّس، وذلك بمبادرة من المؤرّخة التونسية الفرنسية صوفي بسيّس شهراً بعد رحيل والدتها جوليات بسيّس.

جمعت المكتبة بمجهودات الزوجين ألدو وجوليات على مدى قرابة سبعة عقود (من الثلاثيات إلى بداية الألفية الجديدة)، وهي موزّعة على قسمين؛ جزء في مدينة قابس في جنوب تونس، وهو الجزء الذي جرى تسليمه، وجزء ثان في باريس من المنتظر أن يجري تسليمه في شهر أيلول/ سبتمبر المقبل.

إلى جانب الكتب – على أهمّيتها – فإن أهم ما تضمّه المكتبة هو مجموعة الدوريات التي كانت تجمعها جوليات بسيّس بعناية شديدة، حيث كانت هي الأخرى مؤرّخة، وكان لها حساسية خاصة بتفاصيل المؤسسات وصراعاتها في تونس أو التواريخ التي تتقاطع معها. ولعل تسليم هذه التركة إلى “المكتبة الوطنية” يساهم في إمداد الباحثين بزوايا نظر جديدة للتاريخ التونسي الذي يتشكّى المشتغلون عليه من كثرة الثغرات التوثيقية فيه.

كانت صوفي بسيّس أكثر من استفاد من هذه المكتبة، وهي التي وضعت مجموعة أعمال حول التاريخ التونسي الحديث أهمّها سيرة أوّل رؤساء تونس الحبيب بورقيبة وهي عملية شاقة، وكان يصعب إنجازها من داخل تونس، أو مما يتوفّر في المكتبات التي تشرف عليها وزارة الثقافة، نظراً للتعتيم الرسمي على كل ما يتعلّق بتاريخ الحركة الوطنية ضد الاستعمار سواء في عهد بورقيبة نفسه أو في عهد خلفه زين العابدين بن علي.

في الحقيقة، تأتي خطوة أسرة بسيّس ضمن سياق تسليم عدد من تركات كبار المثقفين للمؤسسات الثقافية التونسية، كان آخرها تسليم مكتبة الناشر التونسي، الراحل أيضاً مؤخراً، حبيب اللمسي، والتي تتضمّن 50 ألف كتاب، علماً أن هذه المكتبة داخلها تضمّ مكتبات لأسماء معروفة مثل مكتبة المؤرخ التونسي حسن حسني عبد الوهاب باعتبار أن اللمسي كان يبادر إلى شراء مكتبات المثقفين الراحلين كلما علم بأن ورثتهم يزمعون التفريط فيها.
أن تتسلّم “المكتبة الوطنية” مكتبات كل من أسرة بسيّس وحبيب اللمسي يضعها أمام مسؤولية ينبغي أن تتحمّلها على أكمل وجه، سواء حيال أصحابها وورثتهم او مستعمليها المحتملين من الباحثين والدارسين، بل لعل الوقت قد حان إلى اعتبار مكتبات كبار المثقفين التونسيين رافداً من روافد تغذية المكتبة، وبالتالي العمل على اكتساب ثقة كثيرين على قيد الحياة، سواء بتكريمهم أثناء حياتهم أو من خلال ضرب المثل بالاعتناء بمكتبات من قاموا بتسليم مكتباتهم وتثمينها، على أمل ألا يظل الأمر مجرّد مبادرات شخصية.