هذه المشاركة متوفرة أيضا في: English

مع الأيام الأولى للسنة الجديدة، فُجع مشهد النشر الفرنسي برحيل مفاجئ للناشر بول أوتشاكوفسكي لورنس Paul Otchakovsky-Laurens إثر حادث مرور في جزيرة غوالدلوب (الكاريبي) حيث كان يقضّي إجازة نهاية السنة.

يُعرف بول أوتشاكوفسكي لورنس (1944) في الساحة الثقافية باسم مختصر، من خلال طريقة كتابة خاصة P. O. L وهو اسم مؤسسة النشر التي أسّسها في 1983 وعرفت كيف تستمر رغم قلة الإمكانيات، حيث نجحت بذلك بفضل مرونة أوتشاكوفسكي لورنس الذي أسس دار النشر بادئ الأمر بمساعدة مؤسسة “فلاماريون” التي اشتغل فيها لسنوات، وحين عرف هذا الشريك صعوبات، اتجه إلى دار “غاليمار” كداعم له.

كانت الفكرة التي انطلق منها مشروع “ب. و. ل ” هو توفير فضاء للرهان على نصوص جديدة في مجالات الرواية والقصة والمسرح وكتب الرأي الفكرية، من دون الالتفات إلى أصحابها.

كانت المنشورات الأولى لأسماء مجهولة مثل ليسلي كابلان، وريشار ميليه، لكنها حققت أرقام مبيعات جيدة، فتحوّل الكتّاب المغمورون إلى مشاهير، وغالباً ما كانوا يهجرون الدار إلى دور نشر ذات إشعاع أكثر.

لكن مقابل الرهان على أسماء غير معروفة في توقيعات النصوص، أحاط أوتشاكوفسكي لورنس نفسه بمساعدين من العيار الثقيل، فقد كانت الروائية مارغاريت دوراس مثلاً مشرفة على انتقاء النصوص في أحد أبرز سلاسل الدار، وقد حققت “ب. و. ل” في التسعينيات -تحديداً-إشعاعاً بفضل الجوائز، إضافة إلى ظهور أسماء من العيار الثقيل من بينها: جورج بيريك، وماري دوريوسيك، ورحيم عتيقي، وفالير نوفارينا.

رغم أن العلاقة بين “ب. و. ل” ومجموعة “غالميار” ظلت على المستوى الإداري، إلا أن مدير الأخيرة، أنطوان غاليمار، كان دائماً يقول: “المشهد الأدبي يحتاج دائماً إلى شخصيات من (ب.و.ل)”. ولعلها عبارة توجز موقع أوتشاكوفسكي لورنس في الثقافة الفرنسية.

لكن ثمة سبب آخر يصنع هذا الموقع الخاص، وهو أن بول اشتغل على مهنة الناشر كموضوع، من خلال أعمال سينمائية وثائقية؛ الأول كان عبارة عن سيرة ذاتية بعنوان “ساليه سور سارت، سارت” في 2009، والثاني أنتجه السنة الماضية بعنوان “ناشر” وفيه يتحدث عن واقع المهنة الجديد مع متغيّرات التقنية والقراءة.

بذلك يكون بول أوتشاكوفسكي لورنس مع زميله روبير لافون أكثر شخصيتين اهتمتا بترك قراءة حول مهنة الناشر وتحوّلاتها بين الأزمنة، والمصادفة أن كلاهما أسّس دار نشر باسمه الشخصي، ولعل في ذلك ما يدلّ أن النشر بالنسبة لهما لم يكن مجرّد مهنة، بل هو هوية بأكملها.