كمال قرور: القراءة تصنع الحياة مثلما تصنع الموت أيضاً

 

جعفر العقيلي

 

بدأ الجزائريّ كمال قرور اهتمامه بقطاع النشر في تسعينات القرن الماضي، لكنه بسبب ظروف خاصة اتجه إلى مجال الصحافة وهو “مثقل بالديون والإحباطات”، ثم انتقل إلى مجال آخر، وخلال ذلك لم يفارقه حبُّه للكتاب ولم يخمد توقُه للمغامرة، ما جعله يعيّد الكَرّة ويخوض تجربة العمل في النشر مجدداً.

هكذا تأسست دار “الوطن اليوم” عام 2011، لتلبّي “رغبة ملحّة” لدى الكاتبَ والصحفيَّ الذي لم يتنازل عن فكرةٍ سكنَتْه وظلّت تراوده طيلة ثلاثين سنة، وذلك رغم تغيُّر الظروف وتوقُّف “الدعم السخيّ” للكتاب الذي كانت تقدّمه الدولة في وقت سابق واستفاد منه كثيرون.

وها هي منشورات “الوطن اليوم” تطلق مشروع “ألفية القراءة”، المتمثل في كتاب “الجيب” الثقافي، لإعادة جماهيرية القراءة في زمن الإنترنت، وكي لا تبقى القراءة حكراً على فئة معينة. فجماهيرية القراءة بحسب قرور، تتطلب لتحقيقها أن ينوّع الناشر في العناوين والمضامين المعرفية لإصداراته، وأن يخصص سلاسل تأخذ في حسبانها الفئة العمرية والتوجّه والجندر للقراء.

يقول قرور المولود سنة 1966، إن هذا المشروع “الواعد” يحتاج إلى “تفهُّم المحيط” من مؤسسات حكومية وخاصّة، لأنه “مشروع قومي” يستهدف فئات محددة، وهو يشبه “حملات التلقيح الدورية الإجبارية”. فالمطلوب هو جعل القراءة تلقيحاً دورياً لكل الفئات وفي كل المراحل العمرية، وإلّا انتشرت “الأوبئة الفتاكة”، والتي ابتُلي الجزائريون ببعضها في تسعينات القرن الماضي بسبب القراءة الأيديولوجية الموجّهة ودفعوا ثمن ذلك غالياً.

وهو يؤكد في هذا المضمار، أن علينا اليوم ألّا نجهل أن القراءة “تصنع الحياة مثلما تصنع الموت أيضاً”. كاشفاً أن “الوطن اليوم” حين أطلقت “ألفية القراءة”، كان القائمون عليها يدركون أن الوقت ما زال متاحاً لإنقاذ الأجيال من الضياع والتيه، مثلما أيقنوا أن هذا المشروع -أسوة بأيّ مشروع قومي للصحة والتربية والتنمية- سيكون مصيره “غير محمود” إذا لم يحتضنه الجميع وإذا لم ينَلْ حظّه من الترويج والإقناع.

ويوضح قرور أن المشروع موجّه بصفة خاصة إلى الشباب وجمهور المتعلمين من أبناء المدارس والجامعات، والذين تخرجوا أيضاً ويحتاجون إلى المزيد من المعرفة ولا يجدون في السوق ما يلبي رغباتهم. مشيراً إلى أن اسم “ألفية القراءة” اقتُبس من الألفية الجديدة التي انطلق فيها هذا المشروع، كما يرمز إلى طموحهم في إصدار أكثر من ألف عنوان في مجالات الثقافة والمعرفة.

ويؤكد أن مشروعهم هذا يعيد الاعتبار للكتاب الورقي، وللقراءة الكلاسيكية تحديداً، ويهتم بمواصفات الكتب من حيث الحجم والشكل ونوعية الورق وعدد الصفحات، ومن حيث تنوع العناوين والمضامين في مجالات المعرفة. وهو منفتحٌ على الثقافة المحلية والقومية والعربية والإنسانية، كما سيكون بالعربية والفرنسية والإنجليزية، ليكون الأفق الثقافي “ديمقراطياً وتعددياً”.

ولكن، لماذا تتبنى “الوطن اليوم” فكرة “كتاب الجيب” في الوقت الذي أخفقت فيه مشاريع مشابهة على المستوى العربي؟

يقول قرور إن دار النشر التي أسسها ويديرها “مؤسسة خاصة ربحية”، وعليها أن تحافظ على توازنها المالي لتستمر، لكن هاجسهم الأول ليس تجارياً بحتاً، وإن كانوا لا يغفلونه، فالدافع الثقافي كان المحرك والمحفز الأساسيّ لإطلاق المشروع.

ويضيف: “تحدونا رغبة لإيصال الكتاب إلى الجميع وإلى كل جيب”، وبخاصة أن الإصدارات في هذه السلسلة ذات مضامين معرفية شتى وتتميز بسعرها الرمزي.

ويفسر قرور حماسته لكتاب “الجيب” بقوله إن هذا الكتاب “صغير الحجم، لا يتجاوز عدد صفحاته 100 صفحة، شكله جذّاب، وورقه مختار بعناية، يحاول أن يجمع الذكاء المحلي والذكاء العربي والإنساني بمضامينه ومحتوياته وأهدافه، في زمن الشبكة العنكبوتية وشبكات التواصل الاجتماعي، وهو كتاب صديق للإنسان وصديق للبيئة أيضاً”.
ويقرّ أن هناك صعاباً تواجه هذا “المسعى النبيل”؛ ومنها غياب بعض إمكانيات طباعة هذا النوع من الكتب بأقل تكلفة وبأسرع وقت، وهيمنة الكتاب التجاري الذي تتهافت عليه دور النشر والمكتبات من أجل تحقيق الربح السريع.

وبحسب قرور، يتفاوت عدد النسخ المطبوعة من كتابٍ لآخر، تبعاً لطلب القراء المرتبط بالعناوين والمضامين التي يفضّلونها أكثر من سواها. وقد أنيط هذا الأمر بشركة التوزيع التي أنشئت من قِبل “الوطن اليوم” لهذا الغرض، بعد “استحالة التوزيع من خلال الشبكة القائمة، التي تغلّب منطق الربح على كل شيء”.

ويدرك قرور أن هذا المشروع يحتاج إلى الصبر والمثابرة للوصول إلى الهدف المنشود، كما يحتاج إلى دعم المؤسسات الاقتصادية، وإلى تفهُّم المكتبات وتفاعلها معه بوعي، لأن القراءة “مسؤولية الجميع” اليوم، فالمكتبات مثل الصيدليات؛ فإذا باعت الصيدلية دواء مغشوشاً، فإنها ستسبّب -من دون أن تدري- في هلاك المواطنين. والحكمة تقول: “قل لي ماذا تقرأ أقُلْ لك من أنت”.

وحول سبب اختيار حيوان “الفنك” شعاراً لسلسلة كتاب “الجيب”، يقول قرور إن “الفنك” حيوان صغير ومسالم، وهو ابن البيئة الصحراوية الجزائرية، ويتميز بذكائه وتكيُّفه مع بيئته، لكنه يكاد ينقرض بسبب “فروه الثمين”، وهي حالةُ الكتاب اليوم. والرسالة في هذا الاختيار واضحة؛ ضرورة الحفاظ على الكتاب وحماية الفنك معاً.

وبحسب الفائز بجائزة مالك حداد للرواية (2007)، تهتمّ “الوطن اليوم” بكتابات الأدباء الجدد قدرَ اهتمامها بكتابات المكرّسين، وتحاول أن توفر فرصة للشباب لتصل إبداعاتهم إلى القارئ. كما إن اختيار الأعمال الأدبية يتم وفق معايير منها جودة النص، بعيداً عن المحاباة. فعلى سبيل المثال، نشرت الدار للطفل الفائز بجائزة مشروع “تحدي القراءة العربي” في دورته الأولى، قصةً للأطفال وعمره لم يتجاوز السنوات العشر بعد، وقد مثّلت هذه الخطوة “مفاجأة كبيرة للجميع”.

قرور الذي لا يعتقد أن كونه كاتباً هو الدافع الوحيد لعودته إلى النشر، يرى أن العمل في مجال النشر عموماً “مغامرة”، وبخاصة في زمن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، حيث أصبحت العناوين متوفّرة ويسهل الحصول عليها بسهولة وبكبسة زر، كما بدأت ظاهرة “المقروئية الرقمية” بالانتشار.

ولكنه يستدرك بالقول إنّ للقراءة الورقية ذوقاً ونكهةً لا يمكن تعويضهما بالقراءة الرقمية، وإن الناس في العالم الغربي ما زالوا يهتمون بالقراءة الورقية، ويحتفون بها في زمن الوسائط الإلكترونية التي أصبحت بدورها وسيلةً ترويجية فعّالة للكتاب. وهو يأمل أن ينسحب هذا الأمر على المنطقة العربية، بحيث يكون للوسائط دور إيجابي لإعادة بعث الرغبة في القراءة الكلاسيكية، بعد الصيحات التي روّجت لنهايتها.

فرغم التحذيرات التي تتناقلها وسائل الإعلام بأن المقروئية في زمن الإنترنت “في خطر” (وهو أمرٌ صحيح في أحد وجوهه)، إلّا أن هذا المؤشر بحسب قرور، يكشف “بعض الحقيقة” فقط، لأنه لا يعطي التفاصيل الكافية للحكم بموضوعية. فمشروع “تحدي القراءة” العربي مثلاً، “خير دليل” لتفنيد ما يقال عن المقروئية.
ويوضح قرور أن دور النشر في الجزائر كثيرة، وأنها تكاثرت في العقد الأخير في ظل ما كانت توفره الدولة من “دعمٍ سخيّ” للكتاب، لكن المشكلة تكمن في اكتفاء هذه الدور -في الأغلب الأعم- بطباعة الكتاب، وعدم اهتمامها بتوزيعه وإيصاله إلى القارئ.

ويرى أن استراتيجية النشر في الجزائر تعاني “غيابَ الوضوح” رغم وجود مؤسسات على غرار “ديوان حقوق المؤلف”، تهتم بالكتاب وتطويره. داعياً إلى أن يجلس الشركاء في قطاع النشر معاً لإعادة طرح “تصوُّر جديد” لنشر الكتاب وتوزيعه. فـ”المشكلة الحقيقية التي تواجه قطاع النشر في الجزئر هي التوزيع، لأن بإمكان أيّ شخص أن يطبع وينشر، ولكن ليس بإمكانه أن يوزّع”.

ورغم أن الجزائر –التي تتسم بسشاعتها وكثرة عدد سكانها- تفتقر إلى مؤسسات احترافية تهتم بتوزيع الكتاب وتسويقه على المستوى الوطني، إلّا أن قرور لا يتوقف عن التفاؤل “ما دامت هناك إرادة للاهتمام بالكتاب”، مشدداً على أهمية “تكاتف الجميع”، لرسم معالم “خريطة طريق” تنتهي بإيصال الكتاب إلى القارئ في أيّ مكان على تراب الوطن، وبتصديره إلى العواصم العربية على الأقل في المعارض الدولية.

يُذكر أن كمال قرور حاصل على شهادة الليسانس في الأدب العربي من جامعة قسنطينة، تلقى دراسات معمقة في الإعلام من معهد علوم الإعلام والاتصال بجامعة الجزائر (1990-1992). عمل صحفياً وساهم في تأسيس تظاهرات ثقافية وفنية منها: مهرجان الأغنية السطايفية (19949، ومهرجان الضحك (1995). أسس منتدى المواطنة (2009)، وكتب عموداً صحفياً بيومية “الجزائر الجديدة” (2014-2016). من أعماله الأدبية في القصة والرواية: “التراس.. ملحمة الفارس الذي اختفى” (2007)، “خواطر الحمار النوميدي” (2007)، “امرأة في سروال رجل” (2009)، “الشعوب التعيسة في الجمهوريات البئيسة” (2009)، “سيد الخراب” (2010)، و”حضرة الجنرال” (2015).