عندما تنغمس في كتاباته تحملك الكلمات على أجنحة الخيال خفاقة شفافة.. تحتويك في عذوبة اللفظ وأناقة الكلمة ورصانة العبارة لتقدم لك طرحاً جديداً فنياً وأدبياً يليق بمسيرة صاحبها الكاتب والإعلامي الإماراتي جمال مطر الذي يأسرك من أول كتاب له لتظل تطارد إبداعاته بين الصفحات، كما اكتشفنا في هذا الحوار مع “ناشر”.

عندما ترغب أن تتعرّف على شخصية الكاتب فلتفتش عنها بين أرفف مكتبته. هل توافق على هذه العبارة؟

بالطبع أوافق عليها تماماً، فكل ما يصادق روح الكاتب ويجد نفسه فيه يميل إليه وينصهر في بوتقته ليخرج لنا منتجاً خاصاً به مضمخ بعطر من وجد روحه تندرج في مدارجه وتنساق وراء إبداعاته، ولذلك فنحن جميعاً تتلاقى أرواحنا على الورق لتتخذ أشكالاً مختلفة، فكل منها يحمل بصمة صاحبه.

“نحب الملح أكثر” و”رب واحد يكفي” ديوان وكتاب هيّمن عليهما شخصية المتنبي.. فما السر وراء افتتانك بهذا الشاعر وما الذي يميزه عن شعراء عصره؟

أنا مفتون ببلاغة المتنبي وكبريائه الذي يضخ في شريان كلماته لتخرج لنا صوراً حية تحمل تمرد وعنفوان العربي الأشم، فهو سيد المقدمات الشعرية، وكلماته مصفوفة كحبات الرمان بلاغة واقتداراً، وقد أسرني حتى أنني توحدت معه وشاهدته بعين الخيال يقول لماذا لا أكون إلهاً للشعر، وأعترف أن بصماته واضحة في كتاباتي خاصة وأنا مستغرق في أسلوبه الشعري الفريد لأجدني في رحلة بحث عن الذات بين صفحاته منذ كنت بالمرحلة الإعدادية وأعتدت أن أردد أبياته ليستقيم لساني بالعربية ليسكن ويستقر في روحي.

فى روايتك “كلب” انطلقت من حادث عابر في حياة امرأة لتتبع ظلاله وتأثيره على بقية حياتها، فهل تؤمن بأن الظروف قادرة على قهر الإنسان أم أنه يستطيع قهرها؟

بل شك فإن لكل منا طاقة ومنحى خاصاً يتناول من خلاله الأمور الحياتية التي تصادفه في رحلته والظروف هي المعلم الأكبر لنا في الحياة والتجربة الحقيقية لمدى إثبات نجاحنا من فشلنا. والذي يستطيع أن يتغلب على الظروف لابد وأن يكون ذو عقل راجح وله نظرة سديدة بالأمور، وأعتقد أن الإنسان عليه المحاولة دائماً وأبداً حتى ولو لم ينجح، فيكفيه شرف المحاولة أفضل من أن يكون خانعاً مستسلماً.

ما الرمزية التي قصدتها في عنوان روايتك “كلب” عندما جاءت نكرة وغير معرّفة؟

ليست هناك رمزية في العنوان بقدر ما قصدت أن أصف الزوج بطل القصة بهذه الكلمة لغضبي من موقفه، وقد قصدت أن تكون الكلمة نكرة لأنها تأتي كشتيمة في بعض الأحيان حين نجد شخصاً دنيئاً، والزوج في روايتي كان يستحق هذه الكلمة.

لكل مبدع فتره مخاض يتوحد فيها مع شخصيات أبطاله فهل تعتريك مثل هذه الحالة عندما تكتب؟

هذه الحالة تعتريني أثناء البحث عن الفكرة المتوهجة التي تشعل أرواحنا ونظل تطاردها ونحكي عنها كحبيبة مفقودة أو حلم ضائع حتى نستطيع الاستحواذ عليها لنبدأ مرحلة أكثر سهولة وهي إخراج هذا الإبداع بصورة منمقة تحمل بصمات أرواحنا.

أعمالك المسرحية مثل “جميلة” و”قبر الولي” تميل فيها إلى اتخاذ المفردات المادية البسيطة كنقطة انطلاق لتناقش من خلالها قضايا أكبر، فهل تؤمن أن الإبداع غير المباشر يكون أكثر عمقاً وتاثيراً؟

بالفعل أنا أحب أن انطلق من الأشياء البسيطة لأمهد للقارئ وللمتابع قضايا كبيرة أرغب في أن أجعلها تنساب داخل روحه برفق حتى يجد نفسه منغمساً فيها ومتفاعلاً معها، والمسرح لعبة جميلة قد تكون المواضيع مكررة ولكن الطرح يجب أن يكون جديداً مثل البحر الذي كان البطل في مسرحية جميلة وكان يرمز إلى فضل الماء على اليابسة التي تمنحنا الاستقرار، ولكن البحر الذي خاضه الحبيب ليجلب مهر الحبيبة هو التحدي وكذلك قبر الولي، فالحمار الذي قد يأنفه البعض ويعتبره الآخرون شتيمة هو الذي كشف جهل وانسياق سكان بلد بأسره، وهي رمزية لقضية سياسة القطيع التي يتبعها البعض استناداً إلى معلومات مضللة.

برغم احتفاء الساحة الأدبية والمسرحية بأعمالك، إلا أنك تعد من الكتاب المقلين في إنتاجهم، فهل الكتابة بالنسبة لك حالة مزاجية متمردة تخضع لها ولا تخضع لك؟ 

بالطبع، فالكتابة حالة مزاجية بامتياز، وهي حالة حب وهيام وإيثار، وأنا في كتاباتي غير مستعجل على شيء، بل أراعي أن يكون المُخرج شيئاً جميلاً رائقاً ومؤثراً ولا تهمني غزارة الإنتاج بقدر ما أهتم بجودة المنتج فنياً وأدبياً.