تعتبر كتب الأنساب من الكتب المهمة في حياة العرب وثقافتهم وحضارتهم، نظراً لكونها تتناول أنساب القبائل والعشائر والأسر المحلية، ومن الأعمال العلمية القيّمة في هذا المجال ما جمعه كتاب الأنساب للحمداني، الذي ألفه المؤرخ يوسف بن سيف الدولة، الذي عاش في الفترة من 602 هـ إلى 700هـ على الأرجح، وتناول الأحداث التي وقعت للقبائل العربية أيام الخلفاء الفاطميين وأيام الدولة الزنكية ثم الأيوبية والمملوكية.

وقد جمع هذا الكتاب وحققه وأعاد دراسته مرة أخرى الدكتور أسامة السعدوني جميل، وأصدرته الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسة التراث الحضاري، والذي قال جامعه ومحققه عنه: “كتاب الأنساب للحمداني مصدر من المصادر التي تحدثت عن الأنساب وبطون القبائل العربية في مصر، وما يميز الحمداني وجعله يتصدر كتب الأنساب أنه كان مخالطًا للقبائل مخالطة دائمة، وكانت وظيفته ضيافة رسل وشيوخ القبائل، وكان يُمثل الدولة في مخاطبة أمراء القبائل العربية”.

وأضاف جميل: “إذا نظرنا للتراث العربي الإسلامي المتمسك بالأنساب نجد أن أشهر الكتب التي أُلفت وبقيت إلى زمننا ونقلها الناس مثل “مسالك الأبصار” لابن فضل الله العمري، و”صبح الأعشى” و”نهاية الأرب” للقلقشندي، وكتاب “البيان والإعراب” للمقريزي، وقد نقلت جميع هذه المصادر عن الحمداني وهو صاحب المادة الأصيلة، والمثير للدهشة أن هذه الكتب بقيت لزماننا وكتاب الحمداني فُقد وضاع، وما قُمت به من عمل هو أنني جمعت مادة كتاب الحمداني من كل المصادر التي نقلت عنه، وهو ما يسمى إعادة بناء كتاب مفقود”.

وقال: “من العجيب أن بعض الكتب الناقلة مثل “مسالك الأبصار” كان لا ينقل نصًا إلا ويسمي المنقول منه فيقول نقلت عن الحمداني وغيره، ولكن القلقشندي نقل في المادة وكان يغيّر في الصياغة والشرح، والمقريزي الشهير وهو شيخ المؤرخين وكبيرهم، الذي لم يتفوه بكلمة واحدة أنه كان ناقلاً عن الحمداني، لكن بمحض البحث والتدقيق وجدت أن المادة كاملة نُقلت عن الحمداني بقول من نقل قبله ومن نقل بعده، وهذا ليس عيبًا فيه ولا سرقة، إنما كانت سمة من سمات عصره”.

وحول المنهج الذي اتبعه الحمداني قال الدكتور أسامة السعدوني جميل: “هو منهج البحث الميداني طبقاً لتسمية الأستاذ أحمد الترباني من الأردن كنت قد قرأت له مقالًا عن الحمداني، وقد أشار فيه إلى أنه اتبع طريقة البحث الميداني، وحقيقة فقد كان الحمداني يخالط الناس، ويسمع منهم ويجالس بطون القبائل، في أي البلاد تمركزوا ومن الذي تولى الإمارة وكان ينقل عن  هؤلاء، وكان يكوّن مشاهده من تجاربه ولقاءاته والمشاهدة العينية والسماع  عن رؤوس وأمراء القبائل العربية، كما جمع  مادة من الكتب السابقة، فقد كان قارئًا بارعًا”.

وفيما يتعلق بأشهر القبائل التي ذكرت في كتاب الحمداني، أكد جميل أن المؤلف اهتم خصوصًا ببطون القبائل العربية والأشراف منهم، وهم أبناء سيدنا علي والحسن والحسين، وهذه البطون ذكرها وذكر بلادها وقُراها وأسماء البطون التي تفرعت منها، وهذا بحكم أن هذه البطون كانت تحافظ على أنسابها بخلاف القبائل الأخرى التي اندمجت وتحولت إلى قبائل مزارعة وبعضها يقنط القرى، فاستغنت بعض الشيء عن الاحتفاظ بالأنساب، لكن الذين احتفظوا بأسمائهم عيَّنهم الكتاب وحدد أسماء بطونهم بالتفصيل وهم بطون الأشراف في مصر”.

وأضاف مُحقق الكتاب: “قدَّمت لهذا العمل شرحًا عمليًا في جمع نص الكتاب، وبعض المصطلحات المستخدمة في ذلك، ثم أفردت حديثًا عن المصادر الناقلة عن الحَمْداني من كتابه، ولما وجدت أن مؤلف الكتاب ليس من مشاهير المؤرخين رغم اعتماد المشاهير على مادة كتابه، أردت إلقاء بعض الضوء على ملامح الكتابة التاريخية عنده، والتي كانت كاشفة للعديد من الأسرار والجوانب الحضارية للقبائل العربية بمصر في العصرين الأيوبي والمملوكي”.