هذه المشاركة متوفرة أيضا في: English

شوقي بن حسن

يجمع أغلب الناشرين والمؤلفين المتخصصين في أدب الطفل في الجزائر، على الرغم من أن بدايته تعود إلى ثلاثينات القرن الماضي، إلى أن حضوره لا يزال ضعيفاً في الساحة الثقافية في ظل رداءة المنتوج، وقلة الاهتمام الأكاديمي والإعلامي وكذا تهميش هذا الأدب من طرف المؤسسات الرسمية ذات الصلة.

ويعزو كثير من الملاحظين أسباب استمرارية هذا الوضع إلى أمور عديدة أهمها النقص الكبير في الكفاءات والمهارات الإبداعية في هذا النوع من الأدب الذي يتميز أصلا بصعوبته وحساسيته سواء في التأليف أو النشر، وعدم اهتمام الأكاديميين والنقاد والإعلاميين به، بالإضافة إلى غياب هيئات رسمية تولي عناية به وتعيد الألق له في وقت يعرف فيه ازدهارا في العديد من بلدان العالم.

وترى الكاتبة سليمة مليزي التي تؤلف في أدب الطفل منذ الثمانينيات من القرن الماضي أن الإبداع في هذا المجال “غائب” حالياً حيث أن الكثير من دور النشر “تسرق” قصصاً عالمية وتعيد إصدارها في طبعات محلية، مشددة على “ضرورة وجود هيئة رسمية” تهتم به باعتباره “اللبنة الأساسية لإنشاء مجتمع صالح” خصوصا وأن التنمية البشرية هي “التنمية الحقيقية” لأي بلد.

وتضيف مؤسسة مجلة “الرياض” (1986) أن أغلبية الدور الجزائرية التي تنشر للأطفال “ليست مهنية ولها أهداف تجارية بحتة” وهذا ما تشهد عليه إصداراتها التي لا تراعي الجوانب الإبداعية ولا الجمالية ولا التربوية ولا اللغوية ولا الفكرية ولا العلمية التي تتميز بها هذه الكتابة التي تعتبر أنها “موهبة وحب وهواية قبل كل شيء”.

ناشرون بارزون على غرار “المكتبة الخضراء” يؤكدون بدورهم على ضعف هذ الأدب حيث دعوا مرارا وتكرارا وفي العديد من المناسبات القائمين على قطاعات الثقافة والتربية والتجارة إلى العمل على “تقنين سوق الكتاب” وزرع ثقافة المطالعة لدى الأطفال وبإشراك جميع الفاعلين على اعتبار أن الاستثمار في الطفل هو استثمار في مستقبل الأمة.
غير أن ناشرين آخرين لا يعتبرون أن وضعية أدب الطفل سيئة لهذه الدرجة على غرار دار “أطفالنا” للنشر والتوزيع التي يعتبر صاحبها فراس الجهماني أن هناك نشر “لابأس به” في هذا المجال رغم بعض الصعوبات التي تواجهه على غرار “النقص” في الكتاب المتخصصين و”قلة” الدور المهتمة بهذا الشق الأدبي، نافيا “مزاعم وجود منافع تجارية كبيرة” منه خصوصا وأن هامش ربحه “ضعيف جدا” نتيجة تكلفته العالية وسعره الرخيص مقارنة بالإصدارات الأخرى.

ويضيف الجهماني أن داره تتعامل مع مؤلفين ورسامين “مهنيين” من الجزائر والعالم العربي حيث تتناول أعمالهم مواضيع مختلفة على غرار التراثين العربي والإسلامي بالإضافة إلى “الاقتباس” من التراث العالمي.

ويعتبر من جهته الناقد والروائي والأكاديمي أحمد ساري أن أدب الطفل في الجزائر “ليس مهمشا” وإنما “غير بارز” للرأي العام بسبب “عدم اهتمام” النقاد والإعلام به خصوصا أنه “لا يعبر عن مجتمعه” حيث أن أغلبه ترجمات لقصص وحكايات عالمية موضوعة في سياق محلي، مؤكداً أن أدب الفتيان هو “الغائب” حاليا وليس أدب الطفل.

ويتأسف ساري في سياق كلامه لـ”الرداءة” التي تميز هذا الأدب معتبراً أن الكتَاب والناشرين على كثرتهم “يستسهلون” هذا النوع من الكتابة رغم “متطلباته الإبداعية واللغوية والنفسية …” مشددا من جهة أخرى أن الطفل يحتاج إلى قصص تملؤها الحكاية والغرابة والاستكشاف وليس الوعظ والإرشاد اللذين “لا علاقة للسرد بهما”.

ويرى الروائي رشيد بوجدرة أن الكتابة للطفل هي “الهاجس الذي ظل يلاحقه من زمان” مؤكدا أنها “صعبة جدا وتحتاج لإدراك خصوصياتها وتقنياتها” غير أنه يعتبر أنه “من الصعب عليه” التأليف في هذا المجال بالنظر إلى “ثقافته (خلفيته) العلمية والفلسفية …” مضيفا أن هذا النوع من الأدب “مفقود في كل الوطن العربي وليس في الجزائر فقط”.

العديد من باعة الكتب وأصحاب المكتبات بالعاصمة الجزائرية يعتبرون أن الكتابة للطفل هي “مسؤولية ووعي” قبل أن تكون “عملية تجارية” بالنظر إلى أن الأطفال هم مستقبل البلاد غير أنهم يتأسفون من جهة أخرى لـ”عدم اهتمام” الكثير من أولياء الأمور باقتناء هكذا إصدارات لأولادهم في مقابل اهتمامهم بتزويدهم بوسائل الترفيه التكنولوجية الحديثة كاللوحات الإلكترونية والهواتف الذكية.

من جانبهم يرى بعض أولياء الأمور أن “غلاء أسعار” كتب الأطفال يجبرهم على اللجوء إلى البرمجيات والأقراص المضغوطة التي تقدم محتوى كبير وغني وبطريقة جميلة ومبسطة غير أنهم يؤكدون في كل الأحوال أن الكتاب يظل دائماً أفضل وسيلة للتعلم بالنسبة لأبنائهم لما له من “دور مباشر” في ترقية ذكائهم وأدواتهم البحثية والمعرفية.

ورغم تباين الآراء واختلافها حول واقع كتاب الطفل في الجزائر إلا أن أغلب الأطراف الفاعلة تجمع على ضعف حضوره في المجتمع في ظل التهميش الذي يطاله منذ سنوات طويلة من جهات متعددة مقابل الحضور الطاغي للبرمجيات والأقراص المضغوطة وأيضا لشبكة الأنترنت بما تحمله من عوالم مفتوحة تحتاج إلى رقابة وحرص في تعامل الأطفال معها.

محطات في أدب الطفل في الجزائر
تعود أولى بدايات الكتابة للطفل في الجزائر –وفقا للعديد من الباحثين المتخصصين- إلى الثلاثينيات من القرن الماضي (إبان الاستعمار الفرنسي) حيث كانت متأثرة آنذاك بالثقافتين الفرنسية الغربية والعربية المشرقية غير أنها برزت بصورة واضحة في مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي كان دأبها تنشئة أجيال وطنية من الأطفال تعتز بدينها وقيمها وثقافتها ولغتها على غرار كتابات محمد العيد آل الخليفة، ومحمد الصالح رمضان، ومحمد الشبايكي وكذلك محمد بن العابد الجلالي السماتي.

وبعد الاستقلال عام 1962 أصبح الاهتمام بهذا الشق من الكتابة ذا أهمية كبرى كونه دخل في إطار المنظومة الاشتراكية للجزائر الجديدة التي تبناها الرئيس الأسبق أحمد بن بلة ومن بعده هواري بومدين وهكذا فقد برزت خصوصا الكتابة في مسرح الطفل والشعر الموجه لهذه الفئة، بالإضافة إلى القصص القصيرة، كما برز كتّاب خصصوا جزءًا من إبداعاتهم للطفولة من أمثال محمد الأخضر السائحي، ويحي مسعودي، وسليمة مليزي.
وخصصت بعض الجرائد اليومية والأسبوعية في الستينيات ملاحق خاصة لهذا النوع من الأدب كما برزت بعض الإصدارات كمجلة “مقيدش” (1969) لتعرف السبعينيات قفزة نوعية بظهور مطبوعات أخرى على غرار جريدة “قنيفد” (1972) ومجلة “ابتسم” (1977) و”جريدتي” (1981) ومجلة “الرياض” (1986) إلى جانب إصدارات الأخرى.

لقد كانت الكتابة للطفل آنذاك بارزة وقائمة أساسا على إظهار مقومات الثقافة الجزائرية العربية في أبعادها التربوية التعليمية والحكائية الشعبية وكذا الاجتماعية والتاريخية (الثورية) كما اغترفت أيضا من الثقافة المشرقية وأحيانا الفرنسية في بعدها العالمي.

لقد مثلت التسعينيات التي عاشت فيها الجزائر إرهابا أعمى ضربة قاضية للأدب بصفة عامة ولأدب الطفل بصفة خاصة ورغم ذلك فقد برزت بعض المبادرات الحكومية الهادفة للنهوض به من جديد على غرار تنظيم وزارة الاتصال والثقافة انطلاقا من عام 1996 لمسابقة خاصة بأدب الطفل.

ومع بداية الألفية الثالثة عاد الاهتمام مجددا بالأدب ومعه كتاب الطفل بعد استعادة البلاد لعافيتها فبرزت دور نشر “مهتمة” بالطفل بما لها من إصدارات في القصة والحكاية والشعر والمسرح وكتب المعارف المختلفة وبرز معها كتاب من قبيل عبد الحميد سقاي وجميلة زنيبر غير أن الإنتاج في هذا المجال لا يزال رغم هذا التحسن يراوح مكانه إلى اليوم كما ونوعا بسبب الفوضى التي تسود هذا القطاع في ظل تهميشه من طرف الهيئات الثقافية الرسمية.